تركت ابنتي

موقع أيام نيوز

تركت ابنتي ابنها مصطفى، البالغ من العمر خمس سنوات والمصاپ بالتوحّد، عندي جالسًا على أرضية غرفة الضيوف يرتب سياراته الصغيرة في صف مستقيم كعادته، ثم غادرت وهي تؤكد أنها ستعود بعد أيام قليلة. بعد يومين فقط، اتصلت وقالت ثماني كلمات غيّرت حياتي إلى الأبد
اتركيه عندك... لم أعد قادرة على تحمّل الأمر.
أغلقت الخط قبل أن أتمكن من الرد.
أما مصطفى فلم يلتفت حتى.
ظل يضع سياراته الواحدة بجوار الأخرى بالدقة نفسها التي اعتاد عليها.
لم يكن يعلم أن أمه قد تخلّت عنه للتو.
وقفت ممسكة بالهاتف لوقت طويل.
لا أعرف كم مر من الوقت.
كل ما أعرفه أن حفيدي كان في الخامسة من عمره، لا يتحدث إلا نادرًا، ولا ينظر مباشرة إلى أعين الآخرين، وكان يغطي أذنيه كلما مرّت شاحنة كبيرة بالقرب من المنزل.
أما أمه...
فقد تركته وراءها وكأنه شيء لم تعد بحاجة إليه.
حدث ذلك قبل أحد عشر عامًا.
وصدقوني...
ليست هذه أكثر نقطة أثارت ڠضبي.
كنت معلمة متقاعدة قضيت معظم حياتي في تربية الأطفال وتعليمهم، لكن مصطفى كان مختلفًا عن أي طفل عرفته من قبل.
اضطررت إلى تعلم كل شيء من البداية.
المراجعات الطبية.
جلسات التأهيل.
المراكز المتخصصة التي كنت أتحمل تكاليفها من راتبي التقاعدي.
تعلمت ألا أغيّر مكان طبقه على المائدة.
وألا أعبث بترتيب يومه المعتاد.
لأن تغييرًا بسيطًا واحدًا كان كفيلًا بأن يهدم عالمه بأكمله.
استغرق ثلاث سنوات كاملة حتى نطق أول كلمة واضحة.
كانت الكلمة
ماء.
يومها بكيت أكثر مما فرح هو.
وكان لديه كوب بلاستيكي أصفر قديم متشقق الأطراف.
لكنه كان الكوب الوحيد الذي يقبل الشرب منه.
ولو استبدلته بآخر، امتنع عن الشرب تمامًا.
أحد عشر عامًا كاملة، وما زال يحتفظ بالكوب نفسه.
لكن أكثر ما كان يؤلمني لم يكن ما فعلته أمه.
بل أن مصطفى لم يسأل عنها أبدًا.
ولا مرة واحدة.
طوال أحد عشر عامًا لم يقل
أين أمي؟
وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.
لكن جسده كان يتذكر ما عجز لسانه عن قوله.
ففي كل عام، عندما يحل الشهر الذي تركته فيه أمه، كانت حالته تتدهور بصورة ملحوظة.
لا ينام.
لا يأكل كما ينبغي.
وأحيانًا كان يؤذي نفسه بضړب رأسه.
لم يستطع الأطباء تفسير الأمر.
إلى أن أدركت الحقيقة.
كان جسده يتذكر الشهر الذي تُرك فيه وحيدًا.
حتى وإن لم يستطع التعبير عن ذلك بالكلمات.
كبر مصطفى.
وفي الثانية عشرة من عمره بدأ يتعلم البرمجة بنفسه.
لم أكن أفهم شيئًا في ذلك العالم.
لكن موهبته كانت استثنائية.
وفي السادسة عشرة، طوّر برنامجًا للأمن السيبراني اشترته مجموعة من الشركات العراقية والعربية مقابل ملايين الدولارات.
وتناقلت بعض المواقع الخبر.
لم يذكروا اسمه.
لكنهم أشاروا إلى عمره وإنجازه.
وبعد أسبوعين فقط...
طُرق باب منزلي.
فتحت الباب.
فوجدت سارة.
بعد أحد عشر عامًا من الغياب الكامل.
لم تتصل.
لم تسأل عنه.
لم تزره.
ولم ترسل رسالة واحدة.
وكان يقف خلفها محامٍ يحمل حقيبة ممتلئة بالمستندات.
قال المحامي
نحن هنا بخصوص الولاية القانونية على القاصر.
شعرت وكأن الأرض تميد بي.
كانت الأوراق تزعم أنها أرسلت نفقات شهرية طوال السنوات الماضية.
وأنها كانت تزوره باستمرار.
وتتواصل معه بصورة منتظمة.
أختام.
تواقيع.
إيصالات.
كل شيء بدا حقيقيًا.
لكنني كنت أعلم أن كل ذلك محض أكاذيب.
ثم جاءت الصدمة الأكبر.
خلال كل تلك السنوات...
لم أستخرج ولاية قانونية رسمية على مصطفى.
وفي نظر القانون، كانت أمه لا تزال صاحبة الحق القانوني الأول فيه.
رغم أنها تخلت عنه منذ أحد عشر عامًا.
نظرت إليها مباشرة وسألتها
لماذا عدتِ الآن يا سارة؟
ابتسمت وقالت
عدت من أجل ابني، وهذا حق طبيعي.
قلت
ابنك لا يعرفك أصلًا.
فأجابت بهدوء
يمكن معالجة ذلك.
ثم أضافت
أما الأموال المسجلة باسمه، فلا بد من شخص يديرها بصورة صحيحة.
الأموال.
قالتها بهذه البساطة.
وكأن حفيدي أقل أهمية من حسابه المصرفي.
عندها أدركت السبب الحقيقي لعودتها.
أحد عشر عامًا من الغياب.
ثم ظهور مفاجئ بعد انتشار خبر ثروته.
في تلك الليلة دخلت إلى غرفته.
كان جالسًا أمام حاسوبه كعادته.
لم أخبره بشيء.
لكن للمرة النادرة خلع إحدى سماعتيه وقال
جدتي... لا تخافي.
ثلاث كلمات فقط.
لكنها بالنسبة إلى مصطفى كانت خطابًا كاملًا.
تمسكت بتلك الكلمات طوال الأسبوع.
استعنت بمحامية تدعى هدى الكعبي.
راجعت جميع المستندات بعناية.
ثم رفعت رأسها وقالت
سنخوض هذه المعركة، وما زالت لدينا فرصة حقيقية.
وفي يوم الجلسة ارتديت أفضل ما أملك من ملابس.
وأصر مصطفى على مرافقتي.
رغم أنه كان يكره الضوضاء والأماكن المزدحمة.
طوال الطريق ظل ممسكًا بيدي بقوة.
وعند مدخل المحكمة رأت المحامية هدى سارة تدخل برفقة محاميها.
فتغيرت ملامح وجهها على الفور.
داخل قاعة المحكمة بدأت سارة تبكي أمام القاضي.
وادعت أنني حرمتها من ابنها.
وادعت أنها ظلت تبحث عنه طوال السنوات الماضية.
وأدت دورها بإتقان حتى كدت أشك في نفسي للحظات.
اقتربت مني هدى وهمست
إذا لم نستطع إثبات أن هذه المستندات مزورة، فسنخسر القضية.
جمع القاضي الملفات أمامه.
وكان على وشك إصدار قراره.
وفجأة...
وقف مصطفى.
الفتى الذي لا يحب الغرباء.
والذي نادرًا ما يتحدث.
والذي لم يسأل عن أمه مرة واحدة خلال أحد عشر عامًا.
حمل حاسوبه المحمول.
وتقدم نحو مقدمة القاعة.
ثم طلب توصيل جهازه بالشاشة الموجودة أمام القاضي.
عندها الټفت نحو سارة للمرة الأولى منذ عرفها.
ونظر مباشرة في عينيها.
ثم قالثم قال مصطفى بصوت هادئ بشكل غريب هدوء يخوف أكثر من الصړاخ
قبل ما أبدأ أحب أقول حاجة واحدة.
توقّف القاضي، وانحنى للأمام.
وسارة ابتسمت ابتسامة صغيرة، واثقة كأنها كسبت.
لكن مصطفى كمل
أنا ما نسيتش يوم ما اتتركت.
سكون في القاعة.
حتى المحامي نفسه الټفت له بدهشة.
رفع مصطفى لابتوبه، وضغط زر واحد.
وفجأة الشاشة الكبيرة في المحكمة اشتغلت.
ظهر تسجيل فيديو.
صورة باب بيت جدته.
صوت سارة واضح وهي على التليفون نفس المكالمة نفس الثماني كلمات
اتركيه عندك لم أعد قادرة على تحمّل الأمر.
ثم صوت إغلاق الخط.
سارة شهقت ده ده مش دليل!
لكن مصطفى رفع عينه لها لأول مرة بثبات وقال لسه ما شوفتيش الباقي.
ضغط زر تاني.
ظهر ملف بعد ملف.
تسجيلات بريد إلكتروني.
رسائل.
محاولات تزوير إيصالات النفقة اللي كانت بتدفعها.
لكن كل تحويل بنكي كان فاضي.
ولا جنيه واحد اتحول.
القاعة بدأت تتمتم.
القاضي رفع يده نظام!
لكن مصطفى كمل بهدوء قاټل
الأغرب من كده
وقف لحظة وبص ناحية سارة مباشرة.
إنك ما سألتيش عنه مرة واحدة في 11 سنة.
الصمت اتقفل على القاعة.
وبعدين
ظهرت صورة جديدة على الشاشة.
كاميرا باب البيت.
فيها طفل صغير مصطفى عنده 5 سنين قاعد على الأرض بيلعب عربياته.
ثم الباب بيقفل.
ثم لا أحد يدخل ولا أحد يخرج.
سارة صړخت فجأة كفاية! دي خصوصيات!
لكن مصطفى ضغط زر أخير.
والصورة اتغيرت تمامًا.
ظهر ملف مكتوب
تحليل نفسي للسلوك الرقمي.
ثم صوت جهاز آلي بيقرأ
السيدة المعنية أظهرت نمط انسحاب كامل من المسؤولية مع عودة انتقائية مرتبطة بالمكاسب المالية فقط.
سارة ارتبكت.
المحامي همس لها إحنا في مشكلة.
لكن المفاجأة الحقيقية
لما مصطفى قال الجملة الأخيرة
وده مش كل حاجة.
اقترب من القاضي خطوة.
وقال
أنا ما عرضتش اللي يثبت إن كل المستندات دي اتعملت من نفس الجهاز ومن نفس المكان.
ضغط زر أخير.
فانطفأت الشاشة فجأة
ثم اشتغلت.
لكن هذه المرة
ظهر عنوان واحد كبير
عنوان IP واحد مصدر التزوير.
ورفع عينه ببطء نحو سارة.
وقال بهدوء شديد
وهو بيتك القديم يا أمي.
في اللحظة دي
سارة تراجعت خطوة لورا لأول مرة.
مش لأنها خسړت القضية.
لكن لأنها أدركت
إن الطفل اللي تركته زمان
كبر ومبقاش طفل خالص القاعة كلها اتجمدت.
حتى القاضي اللي طول عمره ما بيتأثرش، جسمه مال للأمام ببطء كأنه بيحاول يتأكد إن اللي شايفه حقيقي.
الرجل اللي على الشاشة كان ملامحه هادية بشكل مريب، لبسه رسمي، وعيونه ثابتة على الكاميرا كأنه شايف كل واحد في القاعة لوحده.
سارة همست مين ده؟
لكن محدش رد.
مصطفى كان واقف ثابت، بس إيده على اللابتوب بدأت تتحرك بسرعة أكتر.
الرجل كمل

تم نسخ الرابط