رواية آصرة العزايزة (كاملة حتي الفصل الاخير) بقلم نهال مصطفي
ردت بعجل وهي تلملم أشياءها
حاضر حاضر أخد حاجاتي بس .. استنى عليا وبلاش تزعق عشان بتوتر .
ثم نظرت له بتوسل
ممكن يا كابتن تنزل شنطتي من العربية .. معلش كمل جميلك معايا للآخر .. شكلك شهم وابن بلد وجيت لي من السما والله .. أنت بركة دعوات عمو حسن ليا !
قفل جفونه للحظة يستوعب طلبها الذي لم يجرؤ عليه أحد
كمان شيال !! ومين حسن ده راخر !!
ضړب كف على الأخر قبل أن ينتظر جوابها
افتحي الشنطة لحد ما أشوف أخرتها معاك يا بت الناس .
وضع هارون حقيبتها بسيارته في تلك الأثناء فرغت ليلة من جمع أغراضها المبعثرة بحقيبة يدها الكبيرة .. أخذت مفتاح سيارتها وهبطت لتقطع تلك المسافة القصيرة التي لم تتجاوز بضعة أمتار فاصلة بين السيارتين ركضا .. تأفف هارون ممتعضا
هو يوم باين من أوله .. اصطباحة كانت على وش زينة ونغم !! مستني أيه أخر اليوم ! مبروك ربحت المليون !
أكمل دمدمة حتى وصل لمقعد سيارته المخصص بالقيادة وهو يتحدث بصوت مسموع
وقال صفية عايزاني اتجوز واحدة منيهم ! عشان يبقى الفقر ملازمني لآخر عمري !!
ثم نظر إليها ناطقا بسؤاله التعجبي
يرضيكي يا بت الناس الحديت ده !!
حركت كفتيها بجهل تام وبأعينها المتسعة غمغمت متبعة نهجه
لا طبعا مادام حاجة مزعلاك أوي كده متعملهاش.
شكلك نبيهه !!
استقبلت جملته الغامضة بابتسامة مزيفة تكسر بها حاجز الخۏف المسيطر على قلبها والحرج فأكملت
مرسي ليك يا كابتن كنت متأكدة وحياة ربنا أن الصعيد كله رجالة جدعان والشهامة بتجري في دمهم .. أهو أنت أكبر مثال .
اكتفى بنظرة مطولة تحمل السخرية والاستهزاء ثم عاد ليواصل سيره .. تعجبت للحظة من رد فعله الغامض ثم عادت لتفتح مسارا جديدا للحوار
نتعرف .. أنا ليلة الجوهري .
رفع حاجبه وعلى محياه ضحكة ساخرة
دي هي ليلة هارون المقندلة !!
تصلبت تعابير وجهها مكذبة مسامعها ولكنها تجاهلت وأكملت بنفس الابتسامة
إعلامية على أدها .. ولو الموضوع ال جاية عشانه تم هابقى إعلامية مشهورة و هتشوفني كل يوم على التليفزيون.. وكمان هحلي لك بؤك .
ثم تمتمت بحماس الطفولة
قول بس يا رب يتم .
رد ببرود دون أن يلتفت إليها
ما عتفرجش على تلفيزيون .
أحست بقليل من الإحراج انعكس في ابتسامتها المهزوزة ثم عادت لتسأله
أنت عارف طريق الفندق صح !
رد باختصار وهو يهز برأسه التي أوشكت أن تتفجر من ثرثرتها المبالغة
عارفو ...
لو مش عارفه ممكن ال GpS يساعدنا .. أنا مش بعرف أمشي من غيره في أي مكان .
نفذ صبره وهو يتأفف بضيق فجهر بصوته الأجش
قلت لك عارفو واسكتي خليني أركز في الطريق والليلة الغبرة دي !
لم تشم رائحة جزعه إثر ثرثرتها المبالغة فأتبعت مبررة لعصبيته وملتمسة له العذر
ااه حضرتك من النوع ال بيحب يركز أوي في السواقة وهدوء بقا ومش عايز صوت والجو ده تعرف أنا مش كده خالص .. أنا بعرف أسوق من وأنا عندي ١٤ سنه .. وكل سباق لازم اشارك فيه وكمان باخد مركز اول على طول .. بابي الله يرحمه هو ال حببني في السواقة والعربيات وو
قڈفها بنظرة حادة جعلتها تبتلع ما تبقى بفاهها من كلمات وتندس بمقعد سيارته الفارهة .. التزمت الصمت تماما مكتفية بسيل من النظرات المتأرجحة نحوه ذهابا وإيابا.. أحس هارون بتأنيب الضمير على أسلوبه الفظ في معاملتها فقرر أن يكسر حاجز الصمت وكأنه يعتذر بلطف خفي
جاية الصعيد تعملي إيه لحالك !
كالغريق الذي تعلق بالسؤال ليفتح لها مجالا للحديث فهي تكره الصمت والسكوت مؤمنة بأن شخصية المرء لا تبرز إلا بالكلمات دارت نحوه بشغف وهي تلوح بكفها
جايه أعمل تقرير إعلامي عن عائلة العزايزي ..
دقت الدهشة برأسه فدار لعندها مشدوها
لا ياشيخة !!
أكملت بنفس الحماس
العيلة دي عاملة قلق جامد عندنا .. وفي اټهامات كتير موجهة لرجالتهم رغم أنهم بيمسكوا مناصب قيادية في البلد والتقارير عن الكسب غير المشروع ناس بتقول مصدر دخلهم آثار .. وناس تانية بتقول سلاح .. بس جدو الله يرحمه يارب اللواء رفعت الجوهري كان ماسك هنا فاكرة زمان أنه حكى لي أن جدهم العزايزي وهما بيحفروا في الجبل لان زي ما سمعت بردو أن كل شغل في الجبل .. حكى لنا انه لقى مقپرة فرعونية كبيرة أوي ودي كانت سبب سعدهم .. بس للأسف الحكومة معرفتش تمسك عليهم أي دليل .. بس بردو درجة الثراء ال العيلة دي وصلت لها من مصادر مجهولة أمر يحير ..أنت أيه رأيك في كلامي!
ثم وضعت سبابتها على ثغرها وقالت متحيرة
تفتكر يطلعوا تجار سلاح ولا آثار !
أخذ يسحب منها الكلام دون الإفصاح عن هويته الحقيقية رفع حاجبه مستفسرا
وأنت جاية إهنه ليه يعني !
ردت بصوت مدجج بالحماس
عشان أفضحهم واكشف حقيقتهم للعالم كله .. هما فاكرين نفسهم مين عشان يتحايلوا على القانون ..
لم يستطع التحكم في تمدد ثغره ب سخرية
أصلا !!! ودي هتعمليها أزاي ! ال خلى جدك الراجل الكبرة معرفش يعملها !!
أنا عندي أساليبي الخاصة ال هكشفهم بيها .
ضحكة مكتومة بدى طيفها على محياه مستهزءا بهمس
في المشمش !!
ثم أكملت ليلة بنفس ذات النبرة الحمقاء متأملة
وأثبت نفسي عشان دي فرصتي الوحيدة يكون ليا برنامجي الخاص على أكبر المحطات .. لازم موضوع هيفرقع الرأي ويعمل بووم ...
دمدم بسخرية وهو لم يتوقف عن الضحك الساخر الغير مسموع
ده هيفرقع في وشك إن شاء الله .
عقدت حاجبيه مستفهمة وهي تتابعه عن كثب
أفندم !!
جهر معلنا وهو يجز على فكيه
ربنا يوفقك يا استاذة .. وتجيبي رأسهم الأرض ونخلصوا منهم ومن أذاهم .. معاك حق دول عيلة لوش وليهم تقاليع عجيبة .. افضحيهم وأنا معاك .
رفعت سبابتها بإعجاب شديد وبنفس النبرة الحمقاء
أنت أجدع حد أنا قابلته في حياتي والله العظيم ..
فتحت ليلة النافذة لتستنشق الهواء البارد باستمتاع وهي تقفل جفونها وتسترخي متلذذة بنسمة الهواء الممزوجة برائحة المطر الخفيف وكأن نجوم السماء تزين ملامحها الټفت إليها بدون رغبة منه ولكن شعور ما بداخله أجبره أن يتأملها مليا .. ربما السر يكمن في خصلة شعرها القصيرة المتطايرة أم بملامحها الرقيقة التي تحمل براءة الطفولة .. تنهد وكأنه أراد أن يبتلعها دفعة واحدة لداخل صدره .. فتحت مقلتيلها كمن تذكر شيئا ودارت نحوه لتسأله بوميض من الإحراج
أنا عارفة إني تقلت عليك .. بس ده والله آخر طلب ... بليز ممكن .
اكتفى بنظرة واحدة فتحت لها مجالا لاستكمال حديثها وقالت
كنت عايزة أوصل لحد هنا اسمه ..
فتحت حقيبتها بعجل وهي تخرج هاتفها تبحث عن اسم ذلك الرجل الذي تريد لقاءه فتشت لدقيقة بهاتفه ثم هبت متحمسة
ايوة أهو اسمه هارون العزايزي .. ده العمدة بتاعهم مكان باباه ال اسمه خليفة مش كده ! بيقولوا عليه رجل صعب أوي وأصعب من باباه فاتح صدره على الناس ومحدش هامه .. وصعب التفاهم معاه وخلقه ضيق ومحدش بيعرف ياخد معاه حق ولا باطل .. بيلعب بالسبع ورقات !
دمدم لنفسه متعجبا
أنا عملت كل ده مېتة !!
وهنا تفرض التساؤلات نفسها في ساحة فضوله عن هوية تلك الفتاة تبحث عنه وتفتش وراء عائلته عامة ووراءه بالأخص تعامل بهدوء وجهل تام مع سؤالها وقال
و سمعتي أيه كمان ! قولي قولي دا أنت طلعتي لقطة .
ردت باندفاع متبعة فضولها وهي تتساءل
صحيح القبيلة دي حاطة قانون جواز الډم ممنوع أي حد يتجوز من بره القبيلة ! يعني مش بيتجوزوا غير قرايب بعض وبس!
رد بثبات
ده أهم عرف للعزايزة .
ابدت اعتراضها معبرة
what?!
فاتبعت دهشتها بضحكة ساخرة وأكلمت بتلقائية
أحيه !
يبدو لوقع الكلمة أثار فجة على قلبه فظهرت بوادرها بإحمرار جمر الڠضب على ملامحه
اسمعي يا بت الناس طول ما أنت قاعدة إهنه متقوليش الكلمة دي حتى قدام عيل صغير .. فاهمة !
بدون اقتناع
كلمة أيه ! ااه ليه يعني ! عندنا كلمة اعتراضية أن الكلام مش عاجبني أو مندهشة .. !! فين المشكلة ! وبعدين دي لهجتنا كلنا كاسكندرانية ومش مسموح لأحد حد مهما كان يتريق عليها .
يبدو أن حديثها لم يرق له اكتفى بتنهيدة عقبت خلفها زفيرا قويا ليتخلص مما يشعر به غيرت مسار الحوار ومازالت تحت تأثير صډمتها من عرف تلك القبيلة
نرجع لمرجوعنا .. لو واحد مثلا حب واحدة تانية ومش عايز يطبق العرف ده مفيش أي ثغرة ممكن يستخدمها خلاص كده يتجوز حد مش بيحبه ولا متقبله عشان أعراف وتخاريف !! أحنا ف الجاهلية !! دول عيلة متخلفة بجد وتستاهل تتفضح .
بات الڠضب كحبات الفشار التي تتقاذف من عينيه وهو يشيعها بنظراته الحادة ليجيب بحزم وانتماء لقوانين قبيلتهم
عرف العزايزة متخلقش اللي يكسروا والقوانين سيف يحترمه الصغير قبل الكبير بعيد عن الحب والمياعة اللي عتتكلمي عنها دي!
تراجعت للخلف بړعب يتطاير من مقلتيها
حضرتك اتعصبت لي ! أحنا مش خلاص بقينا صحاب وبندردش. عادي !! ليه الأفشة دي يا كابتين !!
طريقتها الطفولية كانت مرهما على شروخ غضبه التي جعلتها تتخدر في نفس اللحظة .. التوى ثغره مبتسما عندما رأي خۏفها فبادر ليطمئنها بعودته لهدوئه مبررا لنفسه إنه ضيفته وبلداه تحمحم بخفوت وهو يجادلها
كملي سمعتي أي كمان على العمدة ولد المجلحف مجحف ..
بفضول ملح بجهل
مج..مجلفح يعني أي!
ببسمة كبرياء ممزوجة ب الشكوى
أنت جيتي لي منين يابت الناس ! فتحي مخك معاي مش كل كلمة هنزلك بقاموسها !
ثم ولى النظر إليها للمرة الثانية التي انحرفت فيها عينيه عن الطريق وقال
مجلحف يعني ظالم مفتري بلغتكم في بحري .. ومش دهوت كلامك !!
أهااه فهمت يا كابتين.. سوري مش متعودة على اللهجة بتاعتكم أصل دي أول مرة انزل فيها الصعيد .
ثم تململت في جلستها بحماس الطفولة
متحمسة أوي أشوف