اخو جوزي بقلم زهرة الربيع

موقع أيام نيوز

عينيه كان واضح إنه قلقان.
بص لأمه.
ثم لجوزي.
ثم ليا.
وقال وهو بيضحك ضحكة مصطنعة
مالكوا واقفين كده ليه؟ حد ماټ ولا إيه؟
محدش رد.
الصمت كان تقيل لدرجة إن صوت الساعة في الصالة كان مسموع.
جوزي مد إيده لجيبه.
وطلع الورقة.
وحطها قدام محمود على الترابيزة.
محمود بص فيها ثانيتين...
وفجأة اختفت الابتسامة من على وشه.
وشه بقى أصفر.
وأول كلمة خرجت منه كانت
مين جاب دي؟!
هنا عرفت إن الورقة أخطر مما كنت متخيلة.
حماتي قامت من مكانها.
ورقة إيه دي؟
لكن محمود حاول يخطفها بسرعة.
جوزي سبقه ومسكها.
وقال ببرود
استنى... خلي الكل يعرف.
اتضح إن الورقة كانت عقد مبدئي.
عقد خاص ببيع قطعة أرض ورثتها العائلة من الجد.
الأرض كانت لسه باسم الورثة.
وأي تصرف فيها محتاج موافقة الجميع.
لكن المفاجأة...
إن محمود كان بيحاول يبيع نصيبه ويوهم المشتري إنه يقدر يخلص باقي الورثة بعدين.
وكان مستخدم اسم أخوه في المفاوضات.
يعني لو الصفقة اتكشفت أو حصلت مشكلة قانونية...
اسم جوزي كان هيتورط معاه.
حماتي حطت إيدها على قلبها.
يا نهار أبيض!
أما محمود فبدأ يتلخبط في الكلام.
مش زي ما أنتوا فاهمين...
لكن جوزي قاطعه.
طيب والصوت؟
صوت إيه؟
طلع موبايله.
وشغل تسجيل.
المكالمة اللي اتصورت قدام الكاميرا.
نفس المكالمة.
لكن كاملة.
وفيها محمود بيقول لشخص
أخويا عمره ما هيرفضلي حاجة... ولو احتجت توقيعه هعرف أخليه يوقع.
الصالة كلها سكتت.
حتى أنا اټصدمت.
لأن الموضوع طلع أكبر من مجرد شخص قليل الذوق بيدخل الشقة.
كان متعود يتصرف وكأن كل شيء ملكه.
بيت أخوه.
وقت أخوه.
واسم أخوه.
وأحيانًا حقوق أخوه.
محمود بص لأمه.
كأنه مستنيها تدافع عنه كعادتها.
لكن المرة دي...
هي نفسها كانت مڼهارة.
وقالت بصوت مكسور
ليه يا محمود؟
لأول مرة ما لقاش إجابة.
وأول مرة محدش وقف في صفه.
لكن اللي محدش كان متوقعه...
إن رنّة تليفون محمود في اللحظة دي قلبت الموقف كله.
لأنه أول ما الشاشة نورت...
ظهر اسم المتصل بوضوح أمام الجميع.
اسم الشخص اللي كان شريك محمود في كل اللي بيحصل.
ولما قرأ جوزي الاسم...
رفع عينه ببطء ناحية محمود وقال
معقول؟!
في اللحظة دي...
عرفنا إن القصة لسه فيها أسرار أكبر بكتير مما تخيلنا ظهر الاسم على الشاشة.
ولثانية واحدة بس...
حسيت إن الهواء اتسحب من الصالة كلها.
محمود حاول يخطف الموبايل بسرعة، لكن جوزي كان أسرع.
مسكه وشاف الاسم كويس.
وبعدين رفع عينه ناحية محمود وقال
عادل؟!
محمود بلع ريقه.
أما حماتي فاستغربت
مين عادل؟
جوزي ضحك ضحكة قصيرة كلها ڠضب.
عادل المحامي.
ساعتها وش محمود ابيض تمامًا.
لأن عادل ده ماكانش مجرد محامي.
ده كان المحامي اللي الجد زمان وصّاه على أوراق كتير تخص الميراث.
وكل العيلة كانت واثقة فيه.
جوزي ضغط زر الرد.
وحط المكالمة على السماعة.
أول ما الخط اتفتح سمعنا صوت الراجل بيقول
ها يا محمود؟ خلصت موضوع أخوك؟ أمضى ولا لسه؟
الصالة كلها تجمدت.
حتى أنا حسيت إن قلبي وقف ثانية.
الراجل كمل وهو فاكر إنه بيكلم محمود لوحده
المشتري مستعجل، ولو أخوك عرف الحقيقة قبل الإمضا هنضيع كل اللي عملناه.
جوزي قفل السماعة فورًا.
الصمت اللي نزل بعدها كان مرعب.
حماتي كانت بتبص لمحمود وكأنها أول مرة تشوفه.
وقالت بصوت مرتعش
إيه الحقيقة؟
محمود حاول يتكلم.
مرة.
واتنين.
لكن الكلمات ما خرجتش.
لأن الموقف كان أكبر من أي تبرير.
وفجأة...
حماتي قامت واقفة.
وأشارت عليه بإيدها.
وقالت
رد.
لأول مرة في حياته محدش كان بيدافع عنه.
ولا حد بيبرر له.
ولا حد بيقول أصله أخوك الكبير.
كل العيون كانت مستنية إجابته.
وبعد دقائق من الصمت...
انهار.
قعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه.
وقال
أنا كنت مديون.
جوزي عقد حواجبه.
مديون بكام؟
رد بصوت واطي
كتير.
كتير يعني كام؟
سكت.
ثم قال الرقم.
فشهقت حماتي.
وأنا شخصيًا حسيت بالصدمة.
لأن الرقم كان أكبر بكتير مما تخيلنا.
اتضح إنه من سنين داخل في مشاريع خسرانة.
واستلف من ناس كتير.
وفي كل مرة كان يغطي حفرة بحفرة أكبر.
لحد ما الديون بقت فوق رأسه.
ولما بقى محاصر...
بدأ يدور على أي مخرج.
حتى لو كان على حساب أخوه.
لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش الديون.
المفاجأة كانت لما جوزي سأله
وأنت دخل شقتي كل الوقت ده عشان كده؟
محمود رفع عينه.
وسكت.
وده كان أسوأ جواب ممكن.
لأن السكوت كان اعتراف.
اتضح إنه في مرات كتير ماكانش جاي زيارة أصلًا.
كان بيدور.
يدور على أوراق.
على عقود.
على أي حاجة ممكن تساعده يخلص أزمته.
وفجأة افتكرت حاجات كتير.
أدراج مفتوحة.
ملفات متحركة من مكانها.
أوراق كنت ألاقيها متبدلة.
أشياء كنت أقول لنفسي إني ناسية مكانها.
كل حاجة بدأت تركب.
حماتي بدأت تبكي.
وقالت
يعني كنت بتفتش في بيت أخوك؟
محمود نزل عينه للأرض.
وما ردش.
وفي اللحظة دي...
جوزي مشي ناحية الشباك.
وقف ثواني طويلة.
كلنا مستنيين رد فعله.
أنا كنت متأكدة إنه هيطرده.
أو هيقطع علاقته بيه.
أو يعمل مشكلة كبيرة.
لكن اللي قاله كان مفاجئ للجميع.
لف ناحية محمود وقال
أنا مش زعلان عشان الأرض.
محمود رفع رأسه باستغراب.
ولا عشان الفلوس.
سكت لحظة.
ثم قال
أنا زعلان لأنك خليت مراتي تعيش مړعوپة في بيتها شهور.
الصالة كلها سكتت.
وأول مرة أحس إن حد فهم فعلًا اللي مريت بيه.
جوزي كمل
وأكتر حاجة وجعتني إني أنا اللي دافعت عنك.
محمود ما قدرش يبص في عينه.
أما حماتي فبدأت تبكي أكتر.
لأنها أخيرًا فهمت إن الموضوع ماكانش مجرد مفتاح.
ولا مجرد زيارة.
ولا مجرد خلاف عائلي.
كان كسر للثقة نفسها.
لكن بينما كنا فاكرين إن كل الأسرار انكشفت...
رن جرس الباب.
مرة تانية.
الجميع اتلفت.
نظرت من العين السحرية.
واتجمدت مكاني.
لأن الواقف برة الباب...
لم يكن عادل المحامي.
ولم يكن أحد من العائلة.
كان رجلان لا أعرفهما.
أحدهما يرتدي بدلة رسمية.
والآخر يحمل ملفًا ضخمًا تحت ذراعه.
ولما فتحت الباب وسألتهم
حضراتكم مين؟
نظر أحدهما إلى الداخل.
ثم قال جملة جعلت محمود يقفز من مكانه كأن صاعقة ضړبته
إحنا جايين بخصوص البلاغ المقدم ضد الأستاذ محمود...
وفي اللحظة نفسها...
انهار محمود على الكرسي وهو يتمتم
وصلوا... أسرع مما توقعت...!أول ما سمعنا الجملة...
إحنا جايين بخصوص البلاغ المقدم ضد الأستاذ محمود...
حسيت إن الصالة كلها اتجمدت.
محمود شحب وشه بشكل مخيف.
لدرجة إن حماتي جريت عليه وهي بتقول
بلاغ إيه؟! إنت عامل إيه يا ابني؟!
لكن محمود ما ردش.
كان بيبص للباب فقط.
كأنه عارف بالضبط مين الناس دي وليه جم.
الرجل صاحب البدلة فتح الملف اللي في إيده وقال بهدوء
حضرتك الأستاذ محمود؟
هز رأسه بصعوبة.
أيوة.
مطلوب منك الحضور بخصوص شكوى مالية وعدة مستندات تم تقديمها خلال الأيام الماضية.
الصمت رجع يسيطر على المكان.
وجوزي كان واقف يراقب الموقف كله.
أما أنا فبدأت أربط الأحداث ببعضها.
الديون.
الميراث.
المكالمات.
محاولة الحصول على توقيع أخوه.
كل شيء بدأ يتضح.
لكن اللي محدش كان متوقعه...
إن الرجل أخرج صورة من الملف.
وحطها قدام محمود.
وفجأة تغيرت ملامح محمود تمامًا.
مش خوف.
ولا توتر.
دي كانت صدمة حقيقية.
قال بصوت متقطع
مين جاب الصورة دي؟!
الرجل رد
وصلتنا ضمن المستندات.
حماتي خطفت الصورة من على الطاولة.
وبمجرد ما شافتها...
شهقت شهقة قوية.
حتى جوزي اتقدم بسرعة وأخذها من يدها.
وأنا من مكاني قدرت أشوف جزء منها.
كانت صورة لمجموعة أوراق وعقود.
لكن الأخطر...
أنها كانت متصورة داخل مكتب خاص.
مكتب ماكانش المفروض حد يدخله أصلًا.
جوزي رفع رأسه ببطء.
وقال
يعني الموضوع أكبر من الأرض؟
الرجل هز رأسه.
أكبر بكتير.
في اللحظة دي حسيت إن محمود فقد آخر ذرة مقاومة عنده.
سند ظهره على الكرسي.
وأغمض عينيه.
كأنه استسلم.
لكن فجأة قال جملة قلبت كل حاجة
أنا مش لوحدي.
الصالة كلها سكتت.
حتى الرجلان تبادلا نظرة سريعة.
جوزي قرب منه خطوة.
تقصد إيه؟
فتح محمود عينيه ببطء.
وبص ناحية الجميع.
ثم قال
في ناس أكبر مني دخلتني في القصة دي.
حماتي أمسكت طرف الكنبة بقوة.
وأنا حسيت بقشعريرة.
لأن نبرة صوته المرة دي كانت مختلفة.
مش نبرة شخص بيحاول يهرب.
دي كانت نبرة شخص وصل لمرحلة ما
تم نسخ الرابط