عملت خير
امبارح بالليل عملت خير وساعدت ست عجوزة غلبانة كانت مش قادرة تشيل أكياس الطلبات التقيلة وهي مروحة بيتها.
النهاردة الصبح بقى صحيت على نور فلاشات بيلعلع برة شباكي.. كذا عربية بوليس واقفة تحت البيت، والظباط والعساكر نازلين وسامعهم بيسألوا عليا أنا بالذات!
تعالو احكلكم الحكاية من أولها....
الموضوع بدأ عادي جداً.. ليلة زي أي ليلة بعد يوم شغل طويل ومطحنة. كنت هلكان ومش شايف قدامي ومروح، وفجأة لمحت ست عجوزة وضهرها محڼي، ساندة على سور وبتاخد نفسها بصعوبة، وجنبها كيسين خضار وطلبات كبار جداً. مقدرتش أمشي وأسيبها، قربت منها وقلت لها هاتي عنك يا حاجة، أساعدك؟.
بصتلي وبصوت ضعيف مليان طيبة قالت ربنا يخليك يا ابني ويكرمك.. افتكرت نفسي هقدر أشيلهم.. المشوار مش بعيد، بس قلبي تعبني شوية النهاردة.
في الطريق لبيتها
طبعاً شهامة ولاد البلد نقحت عليا ومكانش ينفع أسيبها تمشي خطوة واحدة لوحدها. شلت الأكياس وطول السكة كانت الحاجة فاطمة بتحكيلي عن دنيتها.. طلعت أرملة وعايشة لوحدها، وولادها يا دوب بيفتكروها كل فين وفين، وعايشة على معاش غلبان يا دوب ممشيها. صوتها كان فيه كمية رضا وصبر، وفي نفس الوقت مكسور من الوحدة.
وصلنا بالسلامة لبيتها الصغير اللي على أطراف المنطقة. قعدت تدعيلي من قلبها دعاء يفتح الأبواب المقفولة، وسلمت عليها ومشيت من غير حتى ما أركز في عنوان البيت ولا اسم الشارع.. الدنيا كانت تمام وكنت حاسس براحة نفسية.. لحد ما صحيت النهاردة الصبح على خبط الړعب وصوت سرينات البوليس!
الصدمة
لقيت ظابط طالعلي، بص في بطاقتي وقالي أنت أحمد؟.. هزيت راسي وأنا ركبي بتخبط في بعضها، راح باصصلي ونطق جملة خلت بطني تقلب ومبقتش حاسس برجليا من الخۏف..
روايات_مشيره_محمد
أنا اسمي أحمد... وفي اللحظة دي حسيت إن قلبي وقف.
الظابط بصلي بثبات وقال
أنت آخر شخص شوهد مع الحاجة فاطمة امبارح بالليل.
الدنيا لفت بيا.
قلت بسرعة يا فندم أنا ساعدتها بس! وصلتها البيت ومشيت!
الظابط ما ردش، واكتفى إنه قال هتيجي معانا شوية.
أمي كانت واقفة ورايا بټعيط، والجيران كلهم متجمعين في البلكونات بيتفرجوا، وأنا نازل وسط العساكر كأني مچرم خطېر.
ركبت العربية وأنا مش فاهم حاجة.
طول الطريق عقلي كان بيودي ويجيب... يا ترى حصل للحاجة حاجة؟ حد أذاها بعد ما مشيت؟ ولا فيه حد شافني معاها وبلغ عني؟
وصلنا قسم الشرطة.
دخلوني مكتب كبير، وهناك لقيت أكتر حاجة صدمتني...
صورة كبيرة للحاجة فاطمة متعلقة على الحائط!
لكن مش صورة عادية...
كانت لابسة فيها بدلة رسمية ومعاها ناس مهمين جدًا.
بصيت للظابط باستغراب.
قال واضح إنك ما تعرفش هي مين.
هزيت راسي.
فتح ملف قدامه وقال
الحاجة فاطمة اللي أنت وصلتها امبارح... اسمها الحقيقي الدكتورة فاطمة المنصوري.
بلعت ريقي.
دكتورة إيه؟!
قال واحدة من أكبر المتبرعين في البلد... وعندها مؤسسات خيرية ومستشفيات ومدارس. ثروة بالملايين.
شهقت من الصدمة.
أنا طول الطريق كنت فاكرها ست غلبانة عايشة لوحدها!
لكن الصدمة الأكبر لسه ما جاتش...
الظابط فتح ظرف أبيض وسحب منه ورقة.
وحطها قدامي.
كانت وصية جديدة متكتبة بخط الحاجة فاطمة نفسه!
وفي آخر الوصية مكتوب اسمي بالكامل!
اتجمدت مكاني.
قلت إزاي؟!
قال الحاجة فاطمة ټوفيت الفجر.
ساعتها حسيت الأرض سحبت من تحت رجلي.
كمل الظابط كلامه
وقبل ۏفاتها بساعات كتبت ملحق للوصية.
سألته بصوت مرتعش
وإيه علاقتي أنا؟
بصلي وقال
لأنها كتبت جملة واحدة قلبت حياة ناس كتير...
وسحب الورقة وقرا بصوت واضح
الشخص الوحيد الذي ساعدني دون أن يعرف من أكون... هو أحمد.
ثم رفع عينه ناحيتي وقال
لكن المشكلة إن أولادها معترضين على الوصية كلها... وبيقولوا إنك نصاب وقدرت تضحك عليها في آخر ساعات عمرها.
وفي اللحظة دي...
باب المكتب اتفتح پعنف.
ودخل راجل ضخم لابس بدلة فخمة.
بصلي بكره شديد وقال
هو ده أحمد؟!
أشار ناحيتي بإصبعه وأضاف
أنا ابن الحاجة فاطمة... وعندي دليل يوديه السچن العمر كله!
يتبع... سكتت الغرفة كلها.
وابن الحاجة فاطمة رمى ملف سميك فوق مكتب الظابط وقال پغضب
الدليل كله هنا!
الظابط فتح الملف بهدوء، وأنا واقف مش فاهم أي حاجة.
طلع منه صور...
أول ما شفتها اټصدمت.
كانت صور ليا فعلًا وأنا ماشي جنب الحاجة فاطمة، وصور وأنا شايل الأكياس، وصورة وأنا واقف قدام باب بيتها!
صړخت
وده يثبت إيه؟!
ابتسم ابنها ابتسامة باردة وقال
يثبت إنك كنت مراقبها... وإنك كنت بتخطط تقرب منها.
قلت بعصبية
أنا شوفتها بالصدفة!
رد
كذبتك ضعيفة.
ثم طلع ورقة تانية وقال
وفيه شهود شافوك داخل البيت.
هنا افتكرت...
فعلاً الحاجة طلبت مني أحط الأكياس جوه الصالة عشان هي مش قادرة تشيلهم.
لكن الكلام كان بيتحوّل ضدي بشكل مخيف.
الظابط فضل ساكت وهو بيقلب الأوراق.
وفجأة سأل ابن الحاجة
هو حضرتك كنت فين امبارح بالليل؟
الراجل ارتبك ثانية واحدة وقال
في بيتي.
الظابط رفع حاجبه.
طول الليل؟
أيوه.
في اللحظة دي فتح الظابط درج مكتبه، وطلع فلاشة صغيرة.
وقال
الغريب إننا استلمنا تسجيلات كاميرات من المنطقة.
اتغير لون وش ابن الحاجة فجأة.
والظابط كمل
والأغرب إن التسجيلات مش مركزة على أحمد...
وسكت لحظة.
...مركزة عليك أنت.
الراجل وقف فجأة.
يعني إيه؟!
الظابط شغل الشاشة.
وظهرت لقطات من كاميرا شارع قريب من بيت الحاجة.
الساعة كانت 217 بعد منتصف الليل.
والشخص اللي ظهر فيها كان...
ابن الحاجة نفسه!
داخل البيت بعد ساعات من مغادرتي.
ساعتها العرق بدأ ينزل من جبينه.
أما أنا فبدأت أفهم إن فيه سر أكبر بكتير من مجرد وصية.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الدقيقة التالية.
لأن الكاميرا أظهرت شخصًا آخر يدخل البيت بعده بخمس دقائق فقط...
شخص كانت الشرطة كلها تبحث عنه من شهور.
مچرم هارب اسمه الخالدي.
والأخطر من كده...
إن اللقطة الأخيرة أظهرت ابن الحاجة وهو يصافحه وكأنه يعرفه من زمان!
ساد الصمت.
ثم قال الظابط ببطء
دلوقتي فهمنا ليه كنت مستعجل تتهم أحمد.
لكن ابن الحاجة ضړب المكتب بيده فجأة وصړخ
اقفلوا الفيديو!
الظابط ضيق عينيه وقال
خاېف من باقي التسجيل؟
وهنا ابتسم أحد الضباط الجالسين في الخلف وقال
لسه ما شفتوش آخر خمس دقائق...
لأن آخر خمس دقائق في التسجيل كانت تحتوي على شيء واحد فقط...
شيء لو ظهر للنور، مش بس هيضيع ثروة الحاجة فاطمة...
بل هيكشف چريمة مدفونة من أكتر من عشرين سنة!
يتبع... تجمد ابن الحاجة فاطمة في مكانه.
ولأول مرة من ساعة ما دخل المكتب، اختفى الغرور من عينيه.
الظابط ضغط على زر التشغيل.
والكل سكت.
ظهرت اللقطات الأخيرة من الكاميرا...
ابن الحاجة والراجل الهارب كانوا واقفين في جنينة البيت الخلفية، بيتكلموا بعيد عن الباب الرئيسي.
الصوت ماكانش واضح، لكن فجأة ابن الحاجة سلّمه ملفًا أسود كبيرًا.
وبعدها بدقائق، خرج المچرم الهارب وهو شايل الملف ومستخبي تحت جاكيت واسع.
الظابط وقف الفيديو عند لحظة معينة.
وقرّب الصورة.
كان فيه شيء ظاهر على غلاف الملف.
ختم أحمر قديم.
بمجرد ما شافه أحد الضباط الكبار، اتغير وشه وقال
مستحيل...
الكل بصله.
قال وهو بيقرب من الشاشة
أنا شفت الختم ده قبل كده.
وسحب نفسًا عميقًا.
في قضية اختفاء المهندس سامي المنصوري سنة 2004.
رفعت رأسي بسرعة.
الاسم كان نفس اسم عيلة الحاجة فاطمة.
الظابط الكبير أكمل
سامي المنصوري كان زوج الحاجة فاطمة.
سادت حالة ذهول في المكتب.
لأن القصة القديمة كانت معروفة وقتها...
الناس كلها كانت فاكرة إن الراجل سافر برة البلد واختفى.
لكن الحقيقة إن جثته ما اتلاقتش أبدًا.
والقضية اتقفلت ضد مجهول.
هنا بدأ ابن الحاجة يفقد أعصابه.
وقال بعصبية
إيه علاقة ده كله بالموضوع؟!
لكن الظابط رد بهدوء
ده اللي هنعرفه.
وفي اللحظة دي دخل عسكري يجري وهو شايل ظرف بني قديم.
وقال
يا فندم... لقينا ده في أوضة الحاجة فاطمة.
الظابط فتح الظرف.
وكان جواه رسالة مكتوبة بخط مرتعش.
وفي أول سطر مكتوب
إذا وصل الخطاب ده للشرطة بعد وفاتي، فاعرفوا