عملت خير
المحتويات
أني أخفيت سرًا لمدة اثنين وعشرين عامًا.
سكت الجميع.
وبدأ الظابط يقرأ.
ومع كل سطر كانت الصدمة بتكبر.
الحاجة فاطمة كتبت إنها اكتشفت قبل سنوات طويلة حقيقة مرعبة عن اختفاء زوجها.
وإنها ظلت صامتة خوفًا على أولادها.
لكن قبل ۏفاتها قررت تترك الأدلة كاملة.
ثم وصل الظابط للسطر الأخير...
فتوقف فجأة.
وبص ناحية ابنها مباشرة.
وقال
الرسالة بتقول إن الشخص المسؤول عن اختفاء سامي المنصوري... واحد من أفراد العائلة.
انقطع نفس الجميع.
أما ابن الحاجة فبدأ يتراجع للخلف خطوة وراء خطوة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت أن الرسالة لم تذكر اسمه هو...
بل ذكرت اسمًا آخر لم يكن أحد يتوقعه أبدًا.
اسم شخص كان حاضرًا داخل قسم الشرطة في تلك اللحظة بالذات!
وفجأة...
سمعنا صوت كرسي بيتحرك پعنف خلفنا.
ولما لفينا كلنا ناحية الصوت...
لقينا أحد الموجودين بيجري ناحية الباب محاولًا الهرب!
يتبع... في لحظة واحدة، اتحول الهدوء لفوضى.
الضابط صړخ
امسكوه!
اتنين من العساكر جَروا ناحية الباب، لكن الراجل كان أسرع مما توقعوا.
دفع الكرسي في طريقهم، وخرج يجري في الممر.
أنا واقف مش مستوعب اللي بيحصل.
من ساعات كنت مجرد واحد ساعد ست عجوزة في الشارع...
ودلوقتي واقف وسط قضية أسرار وجرائم عمرها أكتر من عشرين سنة!
بعد مطاردة قصيرة، قدروا يمسكوا الراجل ويرجعوه للمكتب مكبل اليدين.
ولما رفع رأسه، اتفاجأت.
كان المحامي الخاص بعائلة المنصوري!
نفس المحامي اللي كان ماسك كل أوراقهم وممتلكاتهم من سنين.
الظابط رمى قدامه الرسالة وقال
واضح إن الحاجة فاطمة كانت تقصدك.
المحامي حاول يتماسك.
كلام فارغ.
لكن صوته كان مرتعشًا.
الظابط أخرج ورقة أخرى من الظرف القديم.
وكانت نسخة من عقد بيع قديم جدًا.
تاريخ العقد يرجع لأسبوع واحد فقط قبل اختفاء زوج الحاجة فاطمة.
وبمجرد ما قرأ المحامي أول سطر فيه، شحب وجهه.
سأله الظابط
عرفت الورقة؟
سكت.
دي الورقة اللي اختفت من ملف القضية من 22 سنة.
المحامي بلع ريقه بصعوبة.
ثم قال
أنا... أنا ماليش دعوة.
لكن الکاړثة كانت لسه جاية.
لأن الظابط فتح جيب الظرف وأخرج مفتاحًا صغيرًا صدئًا.
ومعاه ورقة مكتوب عليها عنوان قديم خارج المدينة.
وقال
الحاجة فاطمة كتبت إن المفتاح ده يفتح مخزن مقفول من سنة 2004.
ساد الصمت.
ثم نظر الضابط نحوي فجأة.
وقال
الغريب إنها ذكرت اسمك أنت كمان.
اټصدمت.
أنا؟!
هز رأسه.
كتبت إنها وثقت فيك أكتر من أي حد حواليها... وطلبت إنك تكون شاهدًا على فتح المخزن.
قلت بدهشة
بس أنا معرفهاش غير من امبارح!
رد
واضح إنها شافت فيك حاجة خلتها تاخد القرار ده.
بعد ساعتين...
وصلنا للمخزن القديم.
مكان مهجور وسط أرض واسعة.
القفل كان مغطى بالتراب والصدأ.
الظابط أدخل المفتاح.
ودار بصعوبة.
ثم انفتح الباب أخيرًا...
ومع أول شعاع نور دخل للمخزن، ظهرت عشرات الصناديق القديمة.
لكن في آخر المخزن كان فيه شيء واحد جذب أنظار الجميع.
خزنة حديدية ضخمة.
وعليها نفس الختم الأحمر اللي ظهر في الكاميرات.
اقترب الضابط ببطء.
وفتح الخزنة.
وفي الداخل وجدوا ملفات وصورًا وتسجيلات قديمة...
لكن الملف الموجود في الأعلى تحديدًا جعل الجميع يتجمد في مكانه.
لأن عنوانه كان
الحقيقة الكاملة عن ليلة اختفاء سامي المنصوري.
وحين فتح الضابط الصفحة الأولى...
ظهرت صورة واضحة جدًا.
صورة للشخص الذي دبّر كل شيء.
ولم يكن المحامي...
ولا ابن الحاجة فاطمة...
بل شخصًا آخر لم يذكره أحد طوال التحقيق.
شخص كان الجميع يعتقد أنه ماټ منذ عشرين عامًا!
يتبع... شهق الجميع.
الضابط قرب الصورة أكثر تحت ضوء الكشاف.
والصدمة كانت أكبر مما تخيل أي شخص.
الصورة كانت لرجل في الخمسينات، واقف بجوار سامي المنصوري ويبتسم للكاميرا.
لكن أسفل الصورة مباشرة كان مكتوب بخط الحاجة فاطمة
هذا الرجل أعلنوا ۏفاته سنة 2005... لكنه لم يمت.
ساد الصمت.
حتى أنفاس الموجودين كانت مسموعة.
ابن الحاجة فاطمة اقترب بخطوات مترددة، وما إن رأى الصورة حتى تراجع للخلف كأن أحدًا صفعه.
وقال بصوت مخڼوق
مستحيل...
سأله الضابط
تعرفه؟
هز رأسه ببطء.
ده... خالي عادل.
الملف كان مليئًا بالمفاجآت.
صور، إيصالات، تسجيلات، ورسائل متبادلة.
وكلها تشير إلى أن عادل كان شريك سامي المنصوري في مشروع ضخم قبل اختفائه بأشهر.
ثم ظهرت خلافات مالية كبيرة بينهما.
لكن المفاجأة الأخطر كانت في آخر الملف.
ظرف صغير مغلق ومكتوب عليه
لا يُفتح إلا بحضور الشرطة.
فتحه الضابط بحذر.
وكان بداخله شريط تسجيل قديم.
أحد الفنيين أحضر جهاز تشغيل من القسم، وبعد دقائق بدأ الصوت يخرج من السماعات وسط توتر الجميع.
في البداية سُمعت أصوات تشويش.
ثم جاء صوت رجل يرتجف
إذا كنتوا بتسمعوا التسجيل ده... فمعناه إن حاجة كبيرة حصلت.
تبادل الجميع النظرات.
ثم أكمل الصوت
اسمي سامي المنصوري.
شعرت بقشعريرة تسري في المكان.
الرجل الذي اختفى منذ أكثر من عشرين سنة يتحدث بنفسه!
قال سامي
أنا مش مېت... ولو التسجيل ده ظهر للنور، يبقى فيه ناس حاولت تمنع الحقيقة توصل.
قفز ابن الحاجة من مكانه.
إيه؟!
أما الضابط فرفع يده طالبًا الصمت.
واصل التسجيل
أنا اضطررت أختفي بعد ما اكتشفت شبكة كبيرة بتستغل شركاتي في تهريب الأموال وتزوير العقود.
ثم سكت لثوانٍ.
وأضاف
والشخص اللي كان بيدير كل ده مش عادل لوحده...
توقفت الأنفاس.
...كان معاه شريك أقرب لي من أي حد.
في هذه اللحظة انقطع التسجيل فجأة.
تبادل الجميع النظرات في ذهول.
لكن قبل أن يتكلم أحد، انتبه أحد الضباط إلى شيء غريب.
كان هناك جزء مخفي داخل الظرف نفسه.
فتحه بحذر.
فوجد بطاقة ذاكرة صغيرة جدًا.
وعليها بخط سامي المنصوري
الحقيقة الأخيرة.
أخذها الضابط ووضعها في جهاز الكمبيوتر.
ظهرت شاشة سوداء.
ثم بدأ مقطع فيديو قصير.
وما إن ظهر الوجه الأول في الفيديو حتى شهقت الحاجة... ثم تذكر الجميع أنها ټوفيت.
أما ابنها فسقط جالسًا على الأرض من الصدمة.
لأن الشخص الذي ظهر على الشاشة لم يكن خاله عادل...
بل كان شخصًا اعتقد الجميع أنه خارج دائرة الشبهات تمامًا.
شخصًا كانت صورته معلقة منذ سنوات في صالة شرف إحدى أكبر المؤسسات الخيرية في البلاد!
يتبع... تجمدت العيون على شاشة الكمبيوتر.
والصمت كان خانقًا.
الصورة كانت مهزوزة قليلًا، كأنها متصورة بكاميرا مخفية.
ثم ظهر الوجه بوضوح...
وفجأة قال أحد الضباط
أنا أعرفه!
اقترب أكثر من الشاشة وهو غير مصدق.
ده... رئيس مجلس أمناء المؤسسة الخيرية!
الرجل الذي كانت الجرائد تتحدث عنه دائمًا باعتباره رمزًا للنزاهة والعمل الإنساني.
الرجل الذي حضر عشرات حفلات التكريم، وافتتح مستشفيات ومدارس باسم الخير.
لكن الفيديو أظهر شيئًا مختلفًا تمامًا.
كان جالسًا في غرفة مغلقة مع عادل.
وأمامهما مجموعة من العقود والملفات.
ثم سُمِع صوته بوضوح
طول ما سامي موجود، عمرنا ما هنسيطر على كل حاجة.
ارتجف الموجودون في الغرفة.
لكن قبل أن يكمل الفيديو...
توقفت الصورة فجأة.
وظهرت رسالة على الشاشة.
كانت كلمة مرور مطلوبة لاستكمال الملف.
نظر الجميع لبعضهم.
ابن الحاجة فاطمة قال
أكيد أمي كانت عارفة الرقم.
وفي تلك اللحظة بالذات، تذكر الضابط شيئًا.
أخرج الرسالة الأخيرة التي كتبتها الحاجة فاطمة قبل ۏفاتها.
وبدأ يقرأها مرة أخرى ببطء.
ثم توقف عند جملة بدت عادية في البداية
الحقيقة تبدأ من تاريخ لم أنسه طوال حياتي... 17 9.
رفع رأسه فجأة.
وأدخل الرقم.
لكن الجهاز رفضه.
حاول بطريقة أخرى.
فرفض أيضًا.
وبينما الجميع يفكر، وقعت عيناي على صورة قديمة كانت داخل الملف.
صورة لسامي المنصوري وهو يحمل طفلًا صغيرًا.
وعلى ظهر الصورة عبارة مكتوبة بخط اليد
أجمل يوم في حياتي... 1791998.
قلت للضابط
جرب التاريخ كامل.
نظر إليّ.
ثم أدخل الأرقام.
ضغط Enter.
وانفتح الملف.
الجميع اقترب من الشاشة.
وظهر مقطع جديد.
لكن هذه المرة لم يكن اجتماعًا أو أوراقًا.
كان اعترافًا مصورًا.
سامي المنصوري نفسه يتحدث للكاميرا.
ملامحه متعبة، لكنه كان حيًا وقت التصوير.
وقال
إذا وصلتم إلى هذا الفيديو، فمعناه أني فشلت في العودة.
ثم أخرج ورقة.
وقال
في هذه الورقة أسماء كل المشاركين في المؤامرة.
حبس الجميع أنفاسهم.
ثم رفع الورقة أمام الكاميرا.
لكن قبل أن تظهر الأسماء بوضوح...
انطفأت كهرباء المخزن بالكامل!
ڠرقت الدنيا في ظلام دامس.
وفي نفس الثانية...
سمعنا صوت باب المخزن الخارجي يُغلق پعنف.
ثم جاء صوت خطوات سريعة في الخارج.
وصوت سيارة
متابعة القراءة