مرات أخويا بقلم زهرة
المحتويات
قلبي هيخرج من صدري.
سألته بسرعة مين إنت؟ وإيه حكاية أخويا؟
تنهد الراجل وقال اسمي عبدالتواب... وكنت صاحب أبو مرات حسام.
فتح باب الغرفة القديمة وقعد على كرسي مكسور، وأشارلي أقعد قدامه.
قال بصوت متعب
من أكتر من تلاتين سنة، عيلة مرات أخوك كان عندها سر محدش يعرفه غير الكبار.
فتحت الملف بسرعة.
لقيت شهادات ميلاد قديمة وصور عائلية ورسائل.
لكن وسط الأوراق لقيت صورة خلتني أتجمد.
كانت صورة بنت صغيرة عمرها حوالي عشر سنين.
والصدمة...
إنها كانت نسخة طبق الأصل من مريم.
نفس الملامح. نفس العينين. حتى نفس الابتسامة.
سألت بذهول دي مين؟!
بص الراجل للصورة وقال
اسمها مريم برضه.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
إزاي؟!
قال
البنت دي ماټت من أكتر من خمسين سنة.
وقعت الصورة من إيدي.
بدأت أفتش باقي الأوراق پجنون.
كل عشرين أو تلاتين سنة كنت بلاقي صورة جديدة.
طفلة جديدة.
بنفس الاسم.
نفس الشكل.
وكأن الزمن بيعيد نفسه.
صړخت
إيه الهبل ده؟!
قال الراجل بسرعة
استنى... قبل ما تحكم.
وسحب ورقة قديمة جداً.
كانت عبارة عن شجرة عائلة.
وأشار على أسماء البنات.
وفجأة اكتشفت حاجة غريبة.
كل البنات ماتوا صغار.
إلا واحدة بس.
آخر اسم في القائمة كان
مريم.
تاريخ الميلاد...
هو نفس تاريخ ميلاد بنت أخويا الحالية.
وقتها حسيت إن عقلي بدأ يرفض كل اللي بشوفه.
لكن الراجل قال
أخوك حسام عرف الحقيقة قبل الولادة بشهرين.
إزاي؟
مراته هي اللي قالتله.
بلعت ريقي بصعوبة.
قالتله إيه؟
رد وهو بيبص في الأرض
قالتله إن في حد بيهددها.
مين؟
شخص مجهول كان بيبعتلها رسائل.
رسائل إيه؟
فتح درج قديم وطلع ظرف.
اداني ورقة صفراء.
كان مكتوب فيها بخط مرتب
عندما تولد مريم... سيبدأ كل شيء من جديد.
حسيت ببرودة غريبة في أطرافي.
وقبل ما أتكلم...
سمعنا صوت ارتطام قوي من الدور العلوي.
قفزنا واقفين.
البيت كله اهتز.
وبعدين سمعنا صوت خطوات.
خطوات بطيئة.
واضحة جداً.
مع إن البيت كان فاضي غيرنا.
رفعت الكشاف ناحية السلم.
والراجل شحب وجهه فجأة.
وقال بصوت مرتعش
مستحيل...
في إيه؟
رد وهو بيرجع لورا
محدش بيطلع فوق من عشر سنين.
الخطوات قربت أكثر.
درجة...
درجة...
درجة...
وفجأة ظهر ظل شخص واقف أعلى السلم.
مفيش ملامح.
مجرد هيئة إنسان.
لكن اللي خلاني أتجمد من الړعب...
إنه كان ماسك صورة كبيرة في إيده.
الصورة نفسها اللي كانت معلقة في أوضة مريم.
صورة حسام.
ثم سمعنا صوتاً أجش يخرج من الظلام
قولتلكم الحقيقة دي لازم تفضل مدفونة...
وفي اللحظة دي تحديداً...
وقع الكشاف من إيدي وانطفأ.
وغرق البيت كله في ظلام حالك...
يتبع... غرق المكان في ظلام كامل.
ثواني مرت كأنها ساعات.
كنت سامع نفسي بتنفس بصعوبة، وعبدالتواب واقف جنبي لا بيتحرك ولا بيتكلم.
وفجأة...
سمعنا صوت الخطوات مرة تانية.
لكن المرة دي كانت نازلة على السلم.
درجة...
درجة...
درجة...
لحد ما بقت قريبة جداً.
مديت إيدي أدوّر على الكشاف اللي وقع مني، وإيديا كانت بتتحسس الأرض پجنون.
وأخيراً لقيته.
ضغطت الزر بسرعة.
نور الكشاف اشتغل...
وسلطته قدامي مباشرة.
لكن السلم كان فاضي.
مفيش حد.
ولا أي أثر لأي شخص.
بصيت لعبدالتواب.
لقيته واقف بيبص ناحية الحيطة المقابلة وعينيه مفتوحة على آخرها.
سألته في إيه؟
مشاورش ناحية السلم...
أشار ناحية صورة قديمة معلقة على الحائط.
بصيت.
ولقيت الصورة اللي كانت موجودة من شوية اختفت.
مكانها بقى فاضي.
لكن الأغرب...
إن على الحائط نفسه كان مكتوب بخط أحمر
ارجع لمريم... الوقت قرب.
تراجعت خطوة للخلف.
مين كتب ده؟!
عبدالتواب هز راسه وقال
إحنا لازم نمشي حالاً.
خرجنا من البيت بسرعة.
وطول الطريق وأنا حاسس إن في حد بيراقبنا.
لحد ما وصلت البيت قبل الفجر.
أول حاجة عملتها إني طلعت أجري على أوضة مريم.
فتحت الباب.
لقيتها نايمة بهدوء.
اتنفست الصعداء.
لكن وأنا خارج من الأوضة...
لمحت حاجة على مكتبها.
ورقة مطوية.
أخدتها وفتحتها.
واتجمد الډم في عروقي.
لأن الورقة كانت مكتوبة بنفس الخط الأحمر اللي شوفته في البيت المهجور.
وكان مكتوب فيها
شكراً لأنك فتحت الملف.
أنا عمري ما حكيت لمريم عن الملف.
ولا حد يعرف إني سافرت أصلاً.
كملت قراءة.
دلوقتي بقى عرفنا مكانك.
جسمي كله اتجمد.
وفي آخر الورقة جملة واحدة
اسأل حسام عن اللي حصل ليلة الولادة.
في اللحظة دي...
رن تليفوني.
رقم دولي غريب.
رديت بتردد.
جالي صوت متقطع من الناحية التانية.
صوت راجل منهك وكأنه بيجري.
ثم سمعت الكلمة اللي خلتني أقف مكاني مصډوم
أنا حسام...
أخويا المختفي من عشر سنين.
كان نفسه متقطع من الخۏف.
وقال بسرعة
اسمعني كويس... مفيش وقت.
صړخت
إنت فين؟! وإيه اللي بيحصل؟!
رد بصوت مرتعش
مريم في خطړ.
خطړ من مين؟!
سكت ثانية.
ثم قال
من الشخص اللي كان واقف جوه أوضة الولادة يوم ما اتولدت.
شعرت پصدمة عڼيفة.
إيه؟! كان في حد غيركم؟!
قال
أيوة... وأنا شوفته بعيني.
مين هو؟
جاء صوته هامساً
لما الممرضة جابتلي مريم، ماكنتش ببص للبنت...
ابتلعت ريقي بصعوبة.
وأكمل
كنت ببص للشخص اللي كان واقف وراها.
سكت لحظة.
ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء
والشخص ده... رجع تاني.
وفجأة...
انقطع الخط.
وفي نفس اللحظة تماماً...
سمعنا صوت طرقات بطيئة على باب البيت.
طَق...
طَق...
طَق...
نظرت للساعة.
كانت الثالثة فجراً.
اقتربت من الباب بحذر.
وبصيت من العين السحرية...
فشهقت من الړعب.
لأن اللي كان واقف برا...
رجل يحمل صورة قديمة لحسام وزوجته يوم الزفاف.
وكان ينظر مباشرة نحو العين السحرية...
كأنه عارف أني أراقبه.
ثم ابتسم ابتسامة باردة...
ورفع إصبعه إلى شفتيه في إشارة للصمت.
يتبع... اتجمدت مكاني وأنا باصص من العين السحرية.
الراجل ماكانش بيتحرك.
واقف بثبات غريب، ماسك صورة فرح حسام وزوجته، وبيبص ناحية الباب كأنه شايفني من خلاله.
رجعت خطوة لورا وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني.
مراتي سألتني پخوف مين بره؟
لكن قبل ما أرد...
اختفى صوت الطَرق.
فتحت العين السحرية تاني بسرعة.
ملقتش حد.
فتحت الباب فجأة وخرجت.
الشارع كان فاضي تمامًا.
لا راجل. لا عربية. لا أي أثر.
لكن على عتبة الباب كان فيه ظرف أبيض.
أخدته بسرعة وقفلت الباب.
فتحت الظرف.
كان جواه صورة واحدة.
صورة لغرفة الولادة يوم ۏفاة مرات حسام.
الصورة قديمة ومهزوزة، لكن واضحة بما يكفي.
وكان فيها الدكتور. والممرضة. وحسام.
وخلفهم...
شخص رابع.
واقف في ركن الغرفة.
وشه مش واضح.
لكن الغريب إن كل الموجودين في الصورة كانوا باصين ناحية الكاميرا...
إلا الشخص ده.
كان باصص ناحية الطفلة.
ناحية مريم.
وفي ضهر الصورة مكتوب
هو أول واحد شافها.
في اللحظة دي سمعت صوت مريم بتناديني من فوق.
ولأول مرة في حياتها كان صوتها واضح وقوي.
طلعت أجري.
دخلت أوضتها.
لقيتها قاعدة على السرير وعينيها مفتوحة على الآخر.
وقالت
عمو... بابا رجع.
اتجمدت.
إيه؟!
أشارت ناحية الشباك.
جريت أبص.
ملقتش حد.
لكن مريم كملت
كان واقف هناك من شوية.
حسام؟
هزت رأسها بالنفي.
ثم قالت
لا... بابا التاني.
شعرت ببرودة مرعبة.
بابا التاني مين؟!
مريم بصتلي بجدية غريبة على طفلة عندها عشر سنين.
وقالت
الراجل اللي واقف في الصورة.
سحبت الصورة من جيبي بسرعة ووريتها لها.
أول ما شافتها حطت صباعها على الشخص الغامض.
وقالت فورًا
هو ده.
سألتها إنتِ تعرفيه؟
قالت
كان بيكلمني وأنا صغيرة.
سكتت أنا ومراتي.
إزاي يعني؟
ردت بهدوء
كل ما أنام... أشوفه.
ثم نزلت من السرير واتجهت ناحية الدولاب.
فتحت الدرج السفلي.
وطلعت دفتر قديم.
أنا عمري ما شفت الدفتر ده قبل كده.
فتحته.
ووقتها حسيت إن قلبي هيقف.
كل صفحات الدفتر كانت مليانة رسومات.
نفس الراجل.
مرسوم عشرات المرات.
في كل عمر.
في كل مكان.
وأغرب حاجة...
إن أول رسمة في الدفتر كانت بتاريخ من سبع سنين.
يعني ومريم عندها ثلاث سنوات فقط.
قلبت الصفحات بسرعة.
وفي آخر صفحة لقيت رسمة جديدة.
واضح إنها مرسومة من ساعات قليلة.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في الرسمة.
كانت في اللي مكتوب تحتها.
جملة واحدة فقط
هييجي بكرة ياخدني.
شعرت أن الأرض بتدور بيا.
سألت مريم بصوت مرتعش
مين اللي هييجي؟
بصتلي بعينين هاديتين جدًا وقالت
الراجل اللي بابا هرب منه.
وفي نفس اللحظة...
وصلت رسالة على هاتفي من رقم مجهول.
فتحتها.
وكان فيها عنوان لمكان مهجور على أطراف المدينة.
ومع الرسالة صورة حديثة جدًا.
صورة لحسام.
أخويا المختفي من عشر سنين.
مربوط على كرسي.
وعلى الحائط خلفه مكتوب باللون الأحمر
لو عايز تنقذه... تعال وحدك.
وتحتها مباشرة
قبل شروق الشمس.
يتبع...فضلت أبص للصورة ثواني طويلة وأنا مش مصدق.
حسام.
بعد عشر سنين اختفاء.
مربوط على كرسي ووشه مليان كدمات وخوف.
مراتي كانت واقفة جنبي، أول ما شافت الصورة شهقت وقالت
دي ممكن تكون لعبة... متروحش!
لكن كان جوايا إحساس إن الموضوع أكبر من
متابعة القراءة