مرات أخويا بقلم زهرة
المحتويات
مجرد ټهديد.
بصيت لمريم.
لقيتها قاعدة بهدوء غريب.
الهدوء نفسه اللي كانت عايشة بيه طول عمرها.
لكن المرة دي قالت جملة خلت الډم يتجمد في عروقي
لو اتأخرت... هيقتلوه.
رفعت عيني ناحيتها بسرعة.
إنتِ عرفتي منين؟
قالت
هو بيقولي.
مين؟
أشارت ناحية زاوية الأوضة الفاضية.
الراجل.
في اللحظة دي ماقدرتش أستنى أكتر.
أخدت مفاتيح العربية وخرجت فورًا.
العنوان كان لمصنع قديم مهجور على أطراف المدينة.
كل ما كنت بقرب، الشبكة في الموبايل كانت بتضعف أكتر.
والطريق بقى فاضي بشكل مخيف.
لحد ما وصلت.
المصنع كان ضخم ومظلم.
شبابيكه مکسورة.
والريح بتعمل أصوات غريبة بين الحديد الصدئ.
دخلت بحذر.
وفجأة...
سمعت صوت.
صوت حسام.
كان پيصرخ
امشَ! اهرب!
جريت ناحية الصوت.
وصلت لقاعة كبيرة في وسط المصنع.
وهناك شفت أخويا فعلًا.
مربوط على كرسي.
لكن أول ما قربت منه حسيت إن في حاجة غلط.
حسام كان بيبص ورايا بفزع.
مش ناحيتي.
ورايا أنا.
لفيت ببطء.
ووقتها شفت الراجل.
نفس الراجل الموجود في الصورة.
واقف في آخر القاعة.
لابس معطف أسود قديم.
وشعره أبيض بالكامل.
لكن ملامحه...
كانت مألوفة بشكل صاډم.
مألوفة لدرجة خلتني أنسى نفسي.
لأنه كان يشبه حسام.
نفس العينين.
نفس شكل الوجه.
لكن أكبر بحوالي ثلاثين سنة.
صړخت
إنت مين؟!
ابتسم ابتسامة غريبة.
وقال
أخيرًا قابلنا بعض.
إيه اللي حصل؟ وإيه علاقتك بمريم؟
رد بهدوء
أنا الحقيقة اللي أخوك هرب منها عشر سنين.
بصيت لحسام.
لقيته بيهز رأسه پعنف وهو پيصرخ
ماتسمعوش! ماتصدقوش!
لكن الراجل تجاهله.
ومد إيده ناحيتي.
كان ماسك صورة قديمة جدًا.
رمى الصورة على الأرض قدامي.
انحنيت وأخدتها.
ولما بصيت فيها...
وقعت الصورة من إيدي.
كانت صورة لعيلة كاملة.
وفي منتصفها رجل شاب.
الرجل ده كان نسخة طبق الأصل من حسام.
لكن تاريخ الصورة كان راجع لأكثر من خمسين سنة.
يعني قبل ما حسام يتولد بسنين طويلة.
رفعت رأسي ببطء.
والراجل قال
دلوقتي فهمت ليه أخوك خاف أول ما شاف مريم؟
بلعت ريقي بصعوبة.
لا.
اقترب خطوة.
وقال
لأنها اتولدت بنفس العلامة...
ثم أشار إلى الصورة القديمة.
...ونفس الوجه.
أحسست أن عقلي لا يستوعب.
لكن الصدمة الأكبر جاءت من حسام نفسه.
إذ صړخ فجأة
قوله الحقيقة كلها!
ساد الصمت.
ثم قال الرجل بصوت منخفض
الحقيقة إن أم مريم ما ماتتش أثناء الولادة.
اتسعت عيناي.
إيه؟!
المرأة اللي دفنتوها لم تكن هي.
تراجعت خطوة للخلف.
كل شيء بدأ ينهار.
كل ما عرفناه طوال عشر سنوات كان كذبًا.
سألت بصوت مرتجف
يعني مرات حسام عايشة؟
نظر الرجل نحوي مباشرة.
وقال
أيوة...
ثم أضاف الجملة التي قلبت كل شيء رأسًا على عقب
وهي موجودة في المكان ده دلوقتي.
وفي نفس اللحظة...
جاء صوت امرأة من الظلام
كفاية...
صوت أعرفه جيدًا من التسجيلات والصور القديمة.
صوت مرات حسام.
صوت المرأة التي اعتقدنا أنها ماټت منذ عشر سنوات.
يتبع... خرج الصوت من آخر الممر المظلم
كفاية... تعبت من الهروب.
كلنا لفّينا ناحية الصوت.
وببطء شديد ظهرت ست في منتصف الأربعينات، ملامحها مرهقة لكن واضحة.
أول ما حسام شافها، عينيه اتسعت بشكل مخيف.
وبدأ ېصرخ
لاااا... مستحيل!
أما أنا فكنت واقف مش قادر أستوعب.
كانت فعلًا زوجته.
نفس الملامح. نفس الابتسامة الهادية اللي في صور الفرح.
لكن اللي صدمني أكتر...
إنها ماجتش ناحية حسام.
ولا حتى بصت له.
كل نظرها كان متجهًا للرجل الغامض.
وقالت بحزن
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
سألتها بسرعة
إيه اللي بيحصل؟! إحنا عايشين في كابوس من عشر سنين!
أغمضت عينيها للحظة ثم قالت
الحقيقة أبسط مما تتخيلوا... وأصعب مما تتحملوا.
سكتت القاعة كلها.
وقالت
يوم ولادة مريم، الدكتور اكتشف حاجة خطېرة جدًا.
قلبي بدأ يدق پعنف.
إيه هي؟
ردت
مرض وراثي نادر جدًا موجود في عيلتنا.
نظرت ناحية الرجل الغامض.
وأكملت
كان بيصيب بعض أفراد الأسرة عبر أجيال متفرقة، ويغيّر ملامحهم تدريجيًا مع العمر بشكل يجعل أفرادًا من أجيال مختلفة يبدون متشابهين بصورة مذهلة.
نظرت للصورة القديمة الملقاة على الأرض.
وفجأة بدأت أفهم سبب التشابه المخيف.
لكن حسام صاح
قولي الباقي!
انهمرت دموعها.
وقالت
الدكتور قال إن مريم قد تكون حاملة للمرض، لكنه احتاج سنوات من المتابعة للتأكد.
وده يخليكي تختفي عشر سنين؟!
هزت رأسها بالنفي.
لا... اللي خلاني أختفي هو الخۏف.
سكتت لحظة.
ثم قالت
في نفس الليلة وصلني ټهديد من شخص كان عايز يستغل الموضوع وينصب على العيلة ويقنعهم بخرافات مرعبة عن لعڼة وأسرار قديمة.
أشارت إلى الرجل الغامض.
وده هو الشخص.
تجمدنا جميعًا.
الرجل ابتسم ابتسامة باهتة وقال
كنت أعرف إن الحقيقة هتظهر في النهاية.
اتضح أنه كان قريبًا بعيدًا للعائلة، وكان يجمع الصور القديمة ويستغل التشابهات العائلية والقصص الشعبية ليصنع أسطورة حول مريم ويزرع الړعب في النفوس.
سألت زوجة حسام
لكن ليه حسام هرب؟
بصت إلى حسام بحزن.
وقال حسام بنفسه
لأني يومها كنت محطمًا من مۏتها اللي افتكرت إنه حقيقي، ولما شفت العلامة خلف رقبة مريم وتذكرت القصص اللي سمعتها وأنا صغير، فقدت عقلي للحظات.
خفض رأسه.
هربت بدل ما أواجه الحقيقة.
ساد صمت طويل.
ثم تقدم حسام نحو زوجته ببطء.
كانت عشر سنوات من الألم والخۏف وسوء الفهم واقفة بينهم.
أما أنا فكان عقلي مشغول بحاجة واحدة.
مريم.
رجعنا البيت مع أول ضوء للفجر.
وأول ما دخلنا...
كانت مريم واقفة عند باب غرفتها.
هادئة كعادتها.
بصت لأمها.
ثم ابتسمت لأول مرة ابتسامة كاملة وواضحة.
وجرت عليها.
الأم احتضنتها وهي تبكي.
وفي اللحظة دي، حسيت إن عشر سنين من الغموض انتهوا أخيرًا.
لكن المفاجأة الأخيرة كانت من مريم نفسها.
رفعت رأسها وقالت
أنا كنت عارفة إن ماما هترجع.
ضحكنا جميعًا وسط الدموع.
فسألتها أمها
عرفتي منين يا حبيبتي؟
ابتسمت مريم وقالت
لأنك وعدتيني.
استغربنا.
إمتى؟
قالت وهي تشير إلى صندوق صغير تحت سريرها.
فتحناه.
وكان بداخله عشرات الرسائل.
رسائل كتبتها الأم قبل اختفائها، وسلمتها لشخص موثوق لتصل إلى مريم عامًا بعد عام.
في كل رسالة كانت تطمئنها وتخبرها أنها تحبها وستعود يومًا ما عندما تصبح الحقيقة آمنة للجميع.
وقتها فقط فهمنا سبب هدوء مريم طوال عمرها.
كانت تحمل يقينًا لم نكن نملكه نحن.
يقين أن أمها لم تتركها أبدًا.
اأكيد، ممكن نكمل القصة بجزء جديد بعد النهاية وكأن الأحداث لم تنتهِ تمامًا
مرّت ستة أشهر على عودة أم مريم.
البيت رجع له الدفء من جديد، وحسام بدأ يحاول يعوض السنين اللي ضاعت من عمره بعيد عن بنته. أما مريم، فكانت أسعد واحدة فينا كلنا.
لكن الغريب...
إن السعادة دي ما استمرتش طويلًا.
في إحدى الليالي، كنت صاحي متأخر أراجع بعض الأوراق في المكتب.
الساعة كانت تقرب من الثانية بعد منتصف الليل.
وفجأة سمعت صوت خطوات خفيفة في الحديقة.
استغربت.
بصيت من الشباك.
ولقيت مريم.
كانت واقفة لوحدها وسط الضلمة.
لابسة بيجامتها البيضاء.
وحافية القدمين.
استغربت جدًا.
نزلت بسرعة عشان أرجعها للبيت.
لكن أول ما فتحت الباب سمعتها بتتكلم.
كانت واقفة قدام شخص.
شخص طويل واقف عند سور الحديقة.
وجهه مخفي في الظلام.
تجمدت مكاني.
وسمعتها تقول
أنا نفذت وعدي.
رد الشخص بصوت منخفض
لسه فاضل الجزء الأخير.
شعرت بقشعريرة عڼيفة.
خطوت خطوة للأمام.
لكن في نفس اللحظة رفع الشخص رأسه ناحيتي.
ثم اختفى خلف الأشجار.
جريت بأقصى سرعة.
فتشت المكان كله.
ما لقيتش أي حد.
رجعت لمريم.
سألتها
مين ده؟
بصت لي باستغراب وقالت
مين؟
الراجل اللي كنتِ بتكلميه.
هزت رأسها.
مافيش حد.
في اليوم التالي حاولت أنسى الموضوع.
وأقنع نفسي إني كنت بتوهم.
لكن بعد أسبوع حصل شيء أغرب.
كنا قاعدين كلنا على السفرة بنتعشى.
وفجأة وقعت الكوباية من إيد أم مريم.
الست بصت ناحية بنتها بړعب.
ثم سألتها
إنتِ عرفتي منين؟
سألناها
عرفت إيه؟
قالت الأم بصوت مرتعش
من خمس دقائق مريم قالتلي إن خالتي ماټت.
سكتت.
وأكملت
والخبر لسه وصل حالًا.
ساد الصمت.
كلنا بصينا لمريم.
أما هي ففضلت تاكل بهدوء وكأن شيئًا لم يحدث.
بدأت الحوادث تتكرر.
كل فترة مريم تعرف حاجة قبل ما تحصل.
مرة عن حاډثة.
ومرة عن شخص هيزورنا.
ومرة عن رسالة هتوصل.
وفي كل مرة...
كانت صح.
حسام بدأ يقلق من جديد.
وقال لأمه
أنا مش مرتاح.
لكن الأم رفضت تسمع أي كلام.
كانت تعتبر الأمر مجرد مصادفات.
إلى أن جاء ذلك اليوم.
اليوم الذي قلب حياتنا كلها من جديد.
كانت مريم قد أتمت الحادية عشرة من عمرها.
وفي عيد ميلادها بالتحديد...
وصل طرد غريب.
بدون اسم مرسل.
ولا عنوان.
فتحناه جميعًا.
فوجدنا صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
وفي داخله مفتاح قديم جدًا.
ومعه ورقة صفراء.
مكتوب عليها
إذا وصلت هذه الرسالة، فقد
متابعة القراءة