مرات أخويا بقلم زهرة

موقع أيام نيوز

حان الوقت لتعرف مريم الحقيقة كاملة.
تبادلنا النظرات بذهول.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في السطر التالي.
المفتاح يفتح الباب الموجود أسفل البيت القديم.
تجمدت الډماء في عروقي.
لأن البيت القديم المقصود...
هو نفس البيت المهجور الذي دخلته قبل سنوات.
البيت الذي بدأت منه كل الأسرار.
رفعت رأسي ببطء.
فوجدت مريم تبتسم.
ابتسامة غامضة لم أرها على وجهها من قبل.
ثم قالت بهدوء
أخيرًا... وصل.
سألها حسام
إنتِ تعرفي المفتاح ده؟
فنظرت إليه مباشرة وقالت
أنا مستنياه من يوم ما اتولدت.
وفي تلك اللحظة...
انطفأت أنوار البيت كلها دفعة واحدة.
وسمعنا صوتًا قويًا قادمًا من القبو.
صوت باب حديدي قديم...
يُفتح لأول مرة منذ عشرات السنين. يتبع...تجمدنا كلنا في أماكننا.
صوت الباب الحديدي كان واضحًا لدرجة إن الأرض نفسها اهتزت تحت أقدامنا.
حسام مسك إيد بنته بسرعة وقال
محدش هينزل تحت.
لكن مريم سحبت إيدها بهدوء غريب.
وقالت
لازم ننزل.
أمها احتضنتها پخوف
ليه يا حبيبتي؟
رفعت مريم عينيها نحوها وقالت
لأنهم مستنيينا.
سرت قشعريرة في أجسادنا جميعًا.
مين؟
لكنها لم تجب.
أخذت المفتاح من فوق الطاولة واتجهت نحو باب القبو.
أنا وحسام تبادلنا النظرات.
ثم لحقنا بها.
نزلنا السلالم القديمة بحذر.
كل درجة كانت تصدر صريرًا مخيفًا.
والهواء كان أبرد كلما نزلنا أكثر.
حتى وصلنا إلى آخر السلم.
وهناك رأيناه.
بابًا حديديًا ضخمًا لم نره من قبل.
مع أن البيت موجود من عشرات السنين.
وكأنه ظهر فجأة.
اقتربت مريم.
وضعت المفتاح داخل القفل.
استدار المفتاح بسهولة.
ثم...
فُتح الباب ببطء.
خلفه كان يوجد ممر طويل.
وعلى جانبيه عشرات الصور القديمة.
صور لأشخاص من أجيال مختلفة.
لكن المدهش...
أن جميعهم كانوا يشبهون مريم بدرجات مختلفة.
رجال.
نساء.
أطفال.
كأنهم أفراد عائلة واحدة ممتدة عبر الزمن.
سأل حسام بصوت مرتعش
إيه المكان ده؟
وفي نهاية الممر رأينا صندوقًا خشبيًا كبيرًا.
فوقه رسالة.
اقتربت مريم.
وأخذت الرسالة.
ثم قرأتها بصوت مسموع
إلى من وجد هذه الغرفة...
توقفنا جميعًا نستمع.
...إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فهذا يعني أن السر بقي مخفيًا أكثر من مئة عام.
بدأ قلبي يدق پعنف.
وأكملت القراءة
هذه ليست غرفة كنوز... بل غرفة اعترافات.
فتحنا الصندوق.
فوجدنا مئات الرسائل والمذكرات.
كلها كتبها أشخاص من العائلة عبر أجيال طويلة.
وكان بينهم دفتر جلدي أسود.
على غلافه اسم واحد
مريم.
فتحت أم مريم الدفتر.
وكانت أول صفحة مكتوب فيها
أنا مريم الهنيدي... أكتب هذه المذكرات سنة 1918.
شهقنا جميعًا.
لأن الاسم نفسه...
اسم عائلتنا.
بدأنا نقلب الصفحات بسرعة.
واكتشفنا أن مريم القديمة كانت أول من جمع تاريخ العائلة كله.
وكانت تسجل قصص أفرادها وأسرارهم ورسائلهم للأجيال القادمة.
لم تكن هناك لعڼة.
ولا أشباح.
ولا قوى خارقة.
بل سلسلة طويلة من الأسرار العائلية التي تناقلها الناس وأضافوا إليها الخۏف حتى تحولت إلى أسطورة.
لكن بينما كنا نقرأ...
سقطت من بين الصفحات صورة حديثة.
حديثة جدًا.
التُقطت قبل أيام فقط.
التقطتها يد مجهولة.
وفيها...
كنا نحن جميعًا.
واقفين أمام البيت.
بنفس الملابس التي نرتديها الآن.
سقطت الصورة من يد حسام.
وشحب وجهه.
وقال
مين صورنا؟!
ساد الصمت.
ثم لاحظت شيئًا مكتوبًا خلف الصورة.
قلبتها بسرعة.
وكانت هناك جملة واحدة
السر انتهى...
لكن المراقبة لم تنتهِ بعد.
في تلك اللحظة بالذات...
انطفأت المصابيح التي كانت تنير الممر.
وغرق المكان في الظلام.
ثم سمعنا صوت تصفيق بطيء يأتي من آخر الممر.
تصفيقة...
ثم أخرى...
ثم أخرى...
وصوت رجل مجهول يقول
مبروك...
وصلتم للحقيقة الأولى.
أما الحقيقة الثانية...
فلم تكونوا مستعدين لها أبدًا. يتبع...توقف التصفيق فجأة.
وساد صمت ثقيل.
صمت لدرجة إننا كنا سامعين أنفاس بعض.
شد حسام مريم نحوه بسرعة، بينما أمسكت أمها بذراعه وهي ترتجف.
أما أنا فسلطت ضوء الهاتف ناحية آخر الممر.
لكن المكان كان فارغًا.
مفيش أي حد.
ومع ذلك...
الصوت كان واضحًا جدًا من ثوانٍ.
ثم فجأة ظهر نور خاڤت في آخر الممر.
نور أصفر قديم.
كأنه ضوء مصباح معلق.
وتحته كان فيه باب صغير ماكناش شايفينه قبل كده.
مريم بصت للباب وقالت بهدوء
هناك.
سألتها
إنتِ عرفتي منين؟
ردت
لأني شوفته في أحلامي.
تبادلنا النظرات.
ورغم الخۏف...
بدأنا نمشي ناحية الباب.
كل خطوة كانت أصعب من اللي قبلها.
ولما وصلنا...
لقينا فوق الباب لوحة معدنية صدئة.
مكتوب عليها
قاعة الأمناء.
فتحنا الباب بحذر.
ودخلنا.
الغرفة كانت واسعة بشكل غريب.
وفي منتصفها طاولة دائرية كبيرة.
حولها سبعة كراسٍ.
ستة منها فاضية.
أما الكرسي السابع...
فكان عليه رجل عجوز جدًا.
شعره أبيض بالكامل.
وكان جالسًا وكأنه مستنينا.
رفع رأسه ببطء.
وابتسم.
وقال
أخيرًا وصلتِ يا مريم.
شهقت أمها.
أما حسام فتراجع خطوة للخلف.
وسأل
إنت مين؟
رد الرجل
أنا آخر أمناء السجل.
لم نفهم شيئًا.
لكن الرجل أشار إلى الجدران.
نظرنا حولنا.
واكتشفنا أن الجدران كلها مغطاة بصور ومخطوطات ووثائق.
مئات السنين من تاريخ العائلة.
قال الرجل
عائلتكم كانت تجمع قصص الناس وتحفظها عبر الأجيال.
ثم أشار إلى الدفاتر.
كل جيل كان يسلم الأمانة للجيل اللي بعده.
سألته
وإيه علاقة مريم؟
ابتسم.
وقال
لأنها الوريثة الأخيرة.
ساد الصمت.
ثم أكمل
منذ أكثر من مئة سنة، قررت العائلة أن توثق كل شيء... الأفراح، الأحزان، الأسرار، الأخطاء، وحتى الأكاذيب.
بلعت ريقي.
يعني كل اللي حصل كان بسبب أسرار قديمة؟
هز رأسه.
أغلبه.
ثم فتح درجًا صغيرًا من الطاولة.
وأخرج ظرفًا مغلقًا بالشمع الأحمر.
ووضعه أمام مريم.
وقال
ده آخر شيء.
إيه ده؟
رسالة كُتبت قبل خمسين سنة.
نظرت مريم إلى الظرف.
ومين كاتبها؟
تنهد الرجل.
وقال
شخص كان يعرف إنك هتيجي هنا يومًا ما.
بدأ التوتر يزداد.
مدت مريم يدها.
وفتحت الظرف ببطء.
أخرجت الورقة.
ثم بدأت تقرأ.
وفجأة...
اختفت الابتسامة من وجهها.
وشحب لونها.
وأخذت تتراجع للخلف.
جريت عليها بسرعة.
في إيه؟
لكنها لم ترد.
كانت تحدق في الورقة فقط.
أخذتها من يدها.
ونظرت إلى السطر الأول.
فتجمدت مكاني.
لأن الرسالة كانت تبدأ بهذه الكلمات
إلى حفيدتي مريم...
إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة الآن، فهذا يعني أن الخطړ الذي حاولت منعه قد بدأ بالفعل.
رفعت رأسي نحو الرجل العجوز.
لكن الكرسي كان فارغًا.
اختفى.
في ثانية واحدة.
كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
ثم سمعنا صوت إنذار حاد يدوي في أرجاء الغرفة.
وأضاء ضوء أحمر قوي.
وفي الجدار المقابل ظهرت شاشة قديمة.
كتب عليها
تحذير...
تم فتح الملف الأخير.
ثم ظهرت جملة أخرى ببطء
العد التنازلي بدأ.
وتحتها مباشرة...
005959
ساعة واحدة فقط...
قبل حدوث شيء لم يخبرنا أحد عنه. يتبع...تجمدنا جميعًا أمام الشاشة.
العد التنازلي بدأ ينقص ثانية بعد ثانية.
5958...
5957...
5956...
سألت أم مريم وهي تبكي
يعني إيه ده؟! هيحصل إيه بعد ساعة؟!
لكن ماحدش كان عنده إجابة.
نظرت مريم إلى الرسالة مرة أخرى.
ثم بدأت تقرأ بقية السطور بصوت مرتجف
إذا وصلتم إلى هذه المرحلة، فاعلموا أن الخطړ ليس شخصًا، وليس لعڼة، وليس سرًا خارقًا للطبيعة.
ساد الصمت.
وأكملت
الخطړ الحقيقي هو الخۏف الذي تناقلته العائلة جيلاً بعد جيل.
نظرنا لبعضنا في حيرة.
ثم واصلت القراءة
لقد دمر الخۏف أسرًا كاملة، وفرّق بين الآباء والأبناء، وجعل الأبرياء يدفعون ثمن أوهام لا أساس لها.
هنا بدأ حسام يبكي.
لأنه فهم المقصود.
فهو بنفسه هرب من ابنته عشر سنوات بسبب خوفه.
أكملت مريم
ولهذا تم تصميم هذا الاختبار الأخير.
اختبار؟!
نعم... إذا وصل أحد إلى الملف الأخير، فهذا يعني أن الوقت حان لإنهاء الأسطورة نهائيًا.
ثم قرأت آخر سطر
عندما ينتهي العد التنازلي، سيتم فتح الأرشيف الكامل للعائلة، وستظهر الحقيقة للجميع.
نظرنا إلى الشاشة.
وفهمنا أخيرًا.
لم يكن هناك خطړ.
ولا کاړثة.
ولا مؤامرة.
كان الأمر كله خطة وضعها الأجداد منذ زمن بعيد.
خطة لإجبار كل جيل على مواجهة مخاوفه بدلًا من توريثها لأبنائه.
مرت الدقائق ببطء.
وحسام جالس بجوار مريم يبكي ويعتذر لها عن كل سنة ضاعت.
أما أمها فكانت ټحتضنها وكأنها تعوضها عن عمر كامل.
وأنا كنت أتأمل كل ما حدث.
كيف بدأت الحكاية پصرخة في غرفة ولادة.
وكيف تحولت سنوات من الخۏف إلى سلسلة من الأسرار والظنون.
وأخيرًا...
وصل العداد إلى الصفر.
000000
فُتح جدار كامل أمامنا ببطء.
وخلفه ظهرت مكتبة ضخمة مليئة بالرسائل والصور والمذكرات.
تاريخ العائلة كله.
لكن في منتصف المكتبة كانت هناك لوحة صغيرة.
اقتربت منها مريم.
وقرأت ما كُتب عليها
أعظم سر في هذه العائلة...
أنها لم تكن تملك أي أسرار حقيقية.
بل كانت تملك قصصًا لم يجرؤ أحد على شرحها.
ابتسمت مريم لأول مرة منذ بدأ كل هذا.
ثم أمسكت يد أبيها.
وقالت
يلا نرجع البيت.
ابتسم حسام وسط دموعه.
وقال
أيوة... نرجع البيت.
خرجنا جميعًا مع شروق الشمس.
ولأول مرة منذ عشر سنوات...
كان حسام يمشي بجوار ابنته.
لا هاربًا منها.
ولا خائفًا
منها.
بل أبًا فخورًا بها.
وفي الطريق، التفتت مريم نحوي وقالت
عمو... انتهت الحكاية.
ابتسمت وقلت
أيوة يا مريم... انتهت.
لكنها هزت رأسها وقالت
لا...
أمال إيه؟
فنظرت إلى الشمس المشرقة وقالت
الحكايات الحلوة عمرها ما بتنتهي... هي بس بتبدأ من جديد.
وهكذا انتهت قصة مريم.
لا بلعڼة.
ولا أشباح.
ولا قوى غامضة.
بل بحقيقة بسيطة
أن الخۏف قد يصنع وحوشًا في عقولنا أكبر من أي شيء موجود في الواقع.
وأن الحب، مهما تأخر، قادر على إصلاح ما أفسدته سنوات طويلة من الهروب.
تمت النهاية.

تم نسخ الرابط