ليا سلفتي

موقع أيام نيوز

كانت الوريثة الوحيدة لكل ما يملك.
سكتنا جميعًا.
لأن منال طول عمرها كانت عايشة معانا على إنها ست غلبانة، ملهاش حد ولا سند ولا قرش.
لكن الحقيقة كانت غير كده تمامًا.
الوصية كانت بتثبت إن في قطعة أرض كبيرة وبيت قديم وأموال مودعة باسمها.
لكن لسبب مجهول، منال ما طالبتش بأي حاجة.
ولا قالت لحد.
ولا حتى استخدمت حقها.
في اليوم التالي، المحامي بدأ يبحث في الأوراق القديمة.
وبعد ساعات من المراجعة، اكتشف مفاجأة صاډمة.
كان فيه شخص واحد عرف بأمر الميراث قبل منال بسنوات.
شخص قريب جدًا من العائلة.
وشخص كان يزور منال باستمرار.
ولما عرفنا اسمه...
حماتي شهقت بقوة.
لأن الاسم كان لشخص وثقت فيه منال ثقة عمياء.
الشخص ده كان هو نفسه اللي أقنعها طول السنين إن الميراث ضاع وإن مفيش أمل تسترده.
لكن الأوراق أثبتت العكس.
وأثناء البحث أكثر...
ظهر إيصال استلام حديث نسبيًا.
عليه توقيع مجهول.
وتاريخ قبل ۏفاة منال بثلاثة أشهر فقط.
المحامي ظل يحدق في التوقيع لدقائق.
ثم قال ببطء
واضح إن منال كانت بدأت تتحرك فعلًا عشان تسترد حقها.
سألناه
وبعدين؟
أجاب وهو يقلب آخر ورقة في الملف
وبعدين... قابلت شخصًا مهمًا جدًا.
مين؟
رفع الورقة أمامنا.
وفيها اسم وعنوان وملاحظة بخط يد منال
إذا حصل لي شيء قبل ما أكمل الطريق... الشخص ده يعرف الحقيقة كلها.
تجمدت أنفاسنا.
لأن العنوان كان في مدينة أخرى.
والاسم...
لم يكن لأي فرد من العائلة.
بل لشخص لم نسمع عنه من قبل.
شخص يبدو أنه كان آخر من قابل منال قبل أن تبدأ حالتها الصحية في التدهور...
وشخص قد يكون حاملًا لآخر جزء مفقود من الحكاية سافر علاء والمحامي في اليوم التالي من غير ما يقولوا لحد رايحين فين.
العنوان كان لبيت قديم في مدينة بعيدة.
طول الطريق، علاء كان حاسس إن قلبه هيقف من التوتر.
لأن كل ما كانوا بيكتشفوا حاجة عن منال، كانوا بيكتشفوا قد إيه ماكانوش يعرفوها أصلًا.
وصلوا للعنوان بعد ساعات.
بيت صغير، تحيطه أشجار قديمة.
خبطوا الباب.
بعد دقائق، فتح رجل تجاوز الستين من عمره.
نظر إلى علاء طويلًا.
ثم قال قبل حتى ما يتكلموا
أخيرًا جيتوا.
اتجمد علاء.
حضرتك تعرف منال؟
الرجل تنهد بحزن.
وقال
منال زارتني قبل ۏفاتها بشهرين.
دخلوا البيت.
الرجل طلع صندوقًا خشبيًا من خزانة قديمة.
ووضعه أمامهم.
وقال
أمانة عندي من يوم ما شفتها آخر مرة.
فتح علاء الصندوق.
كان فيه أوراق وصور ومذكرات.
لكن أكثر شيء لفت انتباهه كان كشكول صغير.
على أول صفحة فيه، كانت منال كاتبة
لو وصلتوا لهنا، يبقى أنتم عرفتم جزءًا من الحقيقة فقط.
بدأ يقلب الصفحات بسرعة.
وكانت كل صفحة تحكي موقفًا عاشته.
ليس لتفضح أحدًا...
بل لتسجل مشاعرها.
يوم زواج علاء من الثانية.
يوم ولادة الطفل.
يوم وقوفها خلف الشباك الأزرق وهي تسمع ضحكاتهم.
كل شيء.
لكن في آخر الكشكول كانت هناك صفحة مختلفة.
صفحة لم تتحدث عن الماضي.
بل عن المستقبل.
وفيها كتبت
إذا قرأ علاء هذه الكلمات يومًا، فأريده أن يعرف أنني كنت أعرف أنه ليس شريرًا. لكنه كان ضعيفًا. وأحيانًا ضعف الطيبين يؤذي أكثر من قسۏة الأشرار.
انهار علاء في البكاء.
أما الرجل العجوز فظل صامتًا.
حتى قال المحامي
في حاجة تانية كانت عايزة توصلها؟
هز الرجل رأسه.
ثم أخرج ظرفًا أخيرًا.
وقال
ده آخر شيء سلمتهولي.
فتح علاء الظرف.
فوجد صورة قديمة جدًا.
صورة لمنال وهي طفلة.
لكن خلف الصورة كانت جملة قصيرة
لا تدفنوا قصتي معي.
وتحتها مباشرة
ساعدوا أي إنسانة تتعرض لنفس اللي اتعرضت له.
ساد الصمت.
وفهم الجميع أخيرًا أن النهاية لم تكن في كشف سر، ولا في ميراث، ولا في وصية.
النهاية الحقيقية كانت في الدرس الذي تركته منال خلفها
أن القهر لا يترك جروحًا تُرى بالعين دائمًا، وأن كلمة واحدة قد ترفع إنسانًا أو تكسره، وأن الندم يأتي أحيانًا بعد فوات الوقت الذي كان يمكن فيه إصلاح كل شيء رجع
علاء من السفر وهو ساكت بطريقة مختلفة.
مش ساكت الندم بس لكن ساكت الفهم.
قعد في أوضة منال القديمة لوحده.
الشباك الأزرق كان مفتوح لأول مرة من سنين.
الهواء دخل كأنه بيغسل حاجة تقيلة كانت عالقة في المكان.
حماته وقفت على الباب.
ماقدرتش تدخل.
قالت بصوت مكسور
هنعمل إيه دلوقتي؟
علاء ما بصّش لهاش.
قال بهدوء
نتأخر بس مش هنقدر نصلّح اللي فات.
سكت لحظة.
وبعدين كمل
لكن ممكن نوقف اللي زي اللي حصل.
من اليوم ده، البيت اتغير.
مش فجأة
لكن تدريجيًا.
الكلام القاسې قلّ.
المقارنات اختفت.
والسكوت اللي كان بېقتل، بقى مكانه كلام خفيف فيه حذر وخوف من إن حد يتكسر تاني.
في ذكرى منال الأولى بعد مۏتها
علاء عمل حاجة محدش كان متوقعها.
فتح باب شقتها القديمة.
وخلّى نور الشمس يدخل لأول مرة براحته.
وحط على الشباك الأزرق وردة بيضا واحدة.
وقال بصوت منخفض
حقك ما راحش بس إحنا اتأخرنا نعرفه.
ومشي.
ومن ساعتها
ما بقاش في حد في البيت بيقول كلمة قبل ما يفكر هي هتجرح ولا هتداوي.
لأنهم فهموا متأخر إن بعض الناس مش بټموت من المړض
لكن بټموت من الكلمة.

تم نسخ الرابط