بنت الشغاله
المحتويات
بطرف كمها وقالت بصوت مرتعش
كان دايمًا بيقول إن في ست پتخاف منه.
عاصم عقد حواجبه.
ست مين؟
معرفش... كان صغير وقتها، بس كان بيقول إنها كل ما تشوفه تبصله پخوف، وإنها كانت تيجي الملجأ أوقات وتقف بعيد وتراقبه.
عاصم حس بقشعريرة جريت في جسمه.
شكلها إيه؟
ملك هزت كتفها
مش فاكرة أوي... بس فاكرة إنها كانت لابسة خاتم كبير فيه حجر أخضر.
وفجأة...
اتجمد عاصم مكانه.
الخاتم الأخضر!
نفس الخاتم اللي كانت بتلبسه نادية...
أخت مراته فريدة.
الست الوحيدة اللي كانت موجودة يوم اختفاء يوسف.
الست الوحيدة اللي أصرت وقتها إنهم يوقفوا البحث بعد شهور وقالت إن الأمل انتهى.
عاصم جرى على مكتبه وفتح درج قديم مليان صور وتحريات.
وبدأ يقلب الأوراق بعصبية.
لحد ما لقى صورة قديمة من عيد ميلاد يوسف الرابع.
نادية واقفة جنب التورتة...
وفي إيدها الخاتم الأخضر نفسه.
ساعتها عرف إن فيه حاجة أكبر بكتير مما كان متخيل.
في نفس الليلة.
طلع هو وملك وأم أحمد على دار الأيتام.
لكن الصدمة كانت مستنياهم.
الدار اتقفل من خمس سنين.
والمدير القديم اختفى.
وسجلات الأطفال اتحرقت في حريق غامض.
كل حاجة كانت متشالة كأن حد بيتعمد يمسح الماضي.
لكن قبل ما يمشوا...
واحد من الحراس القدام سمع اسم يحيى.
وبص لعاصم پخوف.
وقال
لو بتدور على الولد ده... يبقى لازم تدور في أسوان.
عاصم قرب منه بسرعة.
ليه؟
الحارس بلع ريقه وقال
لأن في راجل جه من عشر سنين وخد الولد بورق رسمي... وبعدها سافر بيه هناك.
مين الراجل؟!
الحارس طلع صورة قديمة مهترئة من جيبه.
ولما عاصم شاف الصورة...
وقع الموبايل من إيده.
لأن الراجل اللي واقف جنب يوسف الصغير...
كان مدير أمن شركته الحالي.
الرجل اللي شغال معاه من أكتر من 15 سنة.
الرجل اللي بيثق فيه أكتر من أي حد.
ساعتها فهم عاصم إن الخطڤ عمره ما كان حاډث عشوائي.
كان مؤامرة.
ومش أي مؤامرة...
دي كانت خطة اتعملت من ناس قريبة جدًا منه.
ناس كانت داخلة بيته كل يوم.
ناس شاركته أكله وشربه وأسراره.
وفي طريق العودة للقاهرة...
رن موبايل عاصم من رقم مجهول.
رد بسرعة.
وسمع صوت شاب هادئ بيقول
أنا معرفش حضرتك ليه بتدور عليا دلوقتي...
عاصم وقف عربيته فجأة.
وقلبه كان هيخرج من صدره.
أما الشاب فأكمل
بس البنت اللي اسمها ملك... قالتلي إنك شوفت صورتي النهارده.
الډم اتجمد في عروق عاصم.
يوسف؟!
سكتة طويلة جات من الطرف التاني.
ثم رد الشاب بصوت مكسور
أنا مش عارف إذا كنت يوسف فعلًا... لكن في حاجة واحدة متأكد منها...
إيه؟!
في ناس هتحاول تقتلني لو عرفت إني كلمتك.
وانقطع الخط.
وعاصم أدرك أن معركة استعادة ابنه بدأت للتو... وأن السر الأسود المدفون من عشر سنين أخطر بكثير من مجرد عملية خطڤ عاصم فضل ماسك الموبايل بإيد بترتعش.
ألو! ألو يا يوسف!
لكن الخط كان اتقفل.
حاول يتصل تاني عشرات المرات.
الرقم بقى خارج الخدمة.
ملك كانت قاعدة في الكرسي الخلفي، وعينيها مليانة خوف.
أما أم أحمد فكانت بتقرأ آيات من القرآن بصوت منخفض.
ولأول مرة من عشر سنين...
عاصم حس إن ابنه قريب.
قريب جدًا.
لكن في نفس الوقت حد بيحاول يبعده عنه بكل قوته.
في صباح اليوم التالي، استدعى مدير أمنه، سامح.
دخل سامح المكتب بثقة كعادته.
صباح الخير يا فندم.
عاصم كان باصص له في صمت.
وبعدين حط الصورة القديمة قدامه.
وشاف بعينه لون وش سامح بيتغير.
ثانية واحدة بس...
لكن كانت كفاية.
الصورة دي جبتها منين؟
ساعتها تأكد عاصم.
إن الراجل ده مخبي حاجة.
قال بهدوء
أنا اللي بسألك.
سامح سكت.
وبعدين قال
الولد ده مين؟
عاصم ضړب المكتب بإيده.
ابني!
الصمت نزل على الأوضة.
سامح بص للأرض للحظات.
وبعدين رفع عينه.
وقال الجملة اللي قلبت كل حاجة
يوسف ما اتخطفش.
عاصم وقف فجأة.
إيه؟!
يوسف اتباع.
الدنيا اسودت قدام عينيه.
بتكدب!
والله دي الحقيقة.
سامح حكى كل حاجة.
قبل عشر سنين كانت شركة عاصم على وشك الإفلاس.
وكان فيه شريك خفي بيبتزه.
الشريك ده كان عايز السيطرة على ثروة الهواري كلها.
ولما فشل...
قرر ينتقم بأقذر طريقة.
خطڤ الطفل.
لكن اللي صدم عاصم أكتر...
إن اللي ساعد المجرمين من جوه العيلة كانت نادية.
أخت فريدة.
نادية كانت مديونة بمبالغ ضخمة.
واتورطت معاهم.
وفي يوم اختفاء يوسف...
هي اللي خرجته من الجنينة بحجة شراء لعبة.
ومن بعدها اختفى.
عاصم حس إن قلبه بيتقطع.
لكن لسه السؤال الأهم
يوسف فين؟
سامح قال
عايش.
فين؟!
في أسوان.
عرفت منين؟
سامح تنهد.
لأني كنت بتابع أخباره طول السنين دي.
عاصم جرى عليه ومسكه من هدومه.
ليه؟!
عشان أحميه.
اتسعت عيون عاصم.
سامح أكمل
أنا اكتشفت المؤامرة بعد فوات الأوان. ولما حاولت أبلغ الشرطة، عرفت إن الشبكة أكبر من أي حد يتخيل.
مين؟
رجال أعمال... مسؤولين... ناس عندها نفوذ.
وليه ما قلتليش؟
لأنهم هددوا ېقتلوك ويقتلوا الولد.
وسكت لحظة.
ثم قال
لكن دلوقتي كل حاجة اتغيرت.
إزاي؟
لأن يوسف كبر.
وأخرج ملفًا سميكًا من حقيبته.
فتح أول صفحة.
ظهرت صورة شاب في الرابعة عشرة تقريبًا.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
نفس ملامح فريدة.
عاصم لمس الصورة بأصابعه وهو مش مصدق.
دموعه نزلت من غير ما يحس.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الصفحة التالية.
شهادة ميلاد جديدة.
باسم مختلف.
وأب مختلف.
الأب المسجل رسميًا...
كان المنافس التجاري الأكبر لعاصم.
الرجل الذي ظل يحاربه في السوق عشر سنوات كاملة.
الرجل الذي كان يظهر دائمًا كعدو في الأعمال...
بينما كان يخفي ابنه تحت اسمه طوال هذه السنوات.
عندها فهم عاصم أن القضية لم تكن مجرد خطڤ طفل.
بل سړقة وريث.
وسړقة اسم.
وسړقة حياة كاملة.
ورفع رأسه ببطء وقال
جهز الطيارة.
سامح سأله
على فين؟
عاصم مسح دموعه.
وأجاب بصوت حاسم
على أسوان.
لأن بعد عشر سنوات من البحث...
حان وقت مواجهة الرجل الذي سرق ابنه وصلت الطيارة الخاصة إلى أسوان قبل الغروب بساعة.
طوال الرحلة، لم ينطق عاصم بكلمة واحدة.
كان ممسكًا بصورة يوسف القديمة في يد، والصورة الحديثة في اليد الأخرى.
عشر سنوات.
عشر سنوات كاملة بين الصورتين.
عشر سنوات ضاعت من عمر أب وابنه.
ما إن هبطت الطائرة حتى انطلق هو وسامح نحو عنوان المزرعة الموجود في الملف.
كانت مزرعة ضخمة على أطراف المدينة، محاطة بأسوار عالية وأشجار كثيفة.
عاصم نظر إلى البوابة الحديدية وقال
هو هنا...
سامح هز رأسه.
بحسب المعلومات... أيوه.
قبل أن يترجلا من السيارة، فُتحت البوابة فجأة.
وخرج منها شاب طويل القامة.
توقف الزمن بالنسبة لعاصم.
نفس العينين.
نفس الوقفة.
حتى طريقة رفع الرأس كانت تشبهه.
أما الشاب فبدا عليه الارتباك وهو ينظر إليهما.
ثم قال بهدوء
حضرتك عاصم الهواري؟
شعر عاصم بأن الكلمات اختنقت في حلقه.
اكتفى بالإيماء.
الشاب ابتسم ابتسامة حزينة.
وقال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
اقترب عاصم خطوة.
يوسف؟
الشاب سكت لثوانٍ طويلة.
ثم قال
أنا فاكر اسمي يوسف.
نزلت دموع عاصم فورًا.
لكن يوسف أكمل
وفاكر كمان حاجات كتير كانوا بيقولوا لي إنها أحلام.
وأشار إلى رأسه.
البحر... كلب اسمه صخر... ست بټعيط كل ليلة وتناديني.
عاصم لم يتمالك نفسه.
احتضنه بقوة.
لأول مرة منذ عشر سنوات.
وأخيرًا...
عاد ابنه إلى حضنه.
لكن يوسف لم يبادله العناق بنفس القوة.
كان مترددًا.
مرتبكًا.
وكأن داخله حربًا كبيرة.
ابتعد قليلًا وقال
في حاجة لازم تعرفها.
مسح عاصم دموعه.
إيه؟
نظر يوسف نحو المزرعة.
ثم قال
الراجل اللي رباني...
عدوك؟
هز يوسف رأسه بالنفي.
لا.
خاطڤك؟
لا.
صمت لحظة ثم قال
هو أنقذ حياتي.
تجمد عاصم مكانه.
بدأ يوسف يحكي.
بعد اختفائه بأيام، اكتشف أفراد الشبكة أن الطفل شاهد شيئًا لم يكن يجب أن يراه.
وكانوا يريدون التخلص منه نهائيًا.
لكن الرجل الذي أخذه من الملجأ رفض قټله.
فهرب به بعيدًا.
وغيّر اسمه.
وأخفاه عن الجميع.
حتى عن أقرب الناس إليه.
قال يوسف
كان يعرف إن اللي ورا الموضوع ناس خطړ جدًا.
مين هم؟
تنهد يوسف.
مش شخص واحد.
أمال مين؟
مجموعة كاملة.
ثم أخرج من جيبه فلاشة صغيرة.
وضعها في يد عاصم.
وقال
كل الحقيقة هنا.
في تلك اللحظة سُمعت أصوات سيارات تقترب بسرعة.
الټفت الجميع نحو الطريق.
ثلاث سيارات سوداء كانت تقترب من المزرعة.
وسامح شحب وجهه فجأة.
وقال بصوت منخفض
لقونا.
عاصم قبض على الفلاشة.
مين؟
أجاب سامح
الناس اللي حاولت تخفي الحقيقة عشر سنين.
ترجل رجال من السيارات.
وبدأوا يقتربون ببطء.
لكن المفاجأة أن يوسف لم يبدُ خائفًا.
بل نظر إلى عاصم وقال
عشان
متابعة القراءة