بنت الشغاله

موقع أيام نيوز

واقف جنبه.
نفس الشكل نفس الملامح
لكن في حاجة واحدة مختلفة.
نظرة العين.
واحد فيهم عينه فيها ارتباك وخوف حقيقي
والتاني هدوء مريب، كأنه مستني اللحظة دي من زمان.
محمود همس من وراهم
دلوقتي بقى فيه اتنين قدامنا
عاصم بص عليهم وهو مش قادر يميز
مين فيكم يوسف؟
الاثنين سكتوا.
الصمت طال.
وبعدين واحد فيهم قال بهدوء
أنا.
وفي نفس اللحظة التاني قال نفس الكلمة
أنا.
فريدة وقعت خطوة لورا وهمست
ده مستحيل
يوسف الحقيقي أو اللي كان فاكر نفسه كده بص لأبوه وقال بسرعة
أنا اللي كنت معاك أنا اللي كلمتك أنا اللي رجعت!
لكن التوأم التاني ابتسم وقال
واللي كان معاك طول السنين كان مين بقى؟
عاصم حس إن دماغه بتتفتت
إنتوا بتلعبوا بيّ؟!
فجأة
الأنوار في الممر اشتغلت كلها مرة واحدة.
والحقيقة ظهرت.
على الجدار صور قديمة متعلّقة.
مش طفلين بس
كان فيه طفل ثالث في الصور.
طفل واقف دايمًا بعيد شوية كأنه مش تابع لأي حد.
يوسف بص للصور ووشه اتغير
مين ده؟
محمود دخل بصعوبة وقال بصوت منخفض
ده اللي محدش كان عايز يفتكره.
فريدة همست
لا مش دلوقتي
لكن عاصم كان أقرب صورة.
وشاف الاسم مكتوب تحتها بخط قديم
يوسف الأول.
سكت.
ثم رفع عينه ببطء
يعني إيه الأول؟
وفجأة
التوأم اللي كان ساكت طول الوقت اتكلم لأول مرة بنبرة مختلفة تمامًا
يعني في واحد اتخلق قبل كل ده واتمحى اسمه من القصة.
يوسف الحقيقي رجع خطوة لورا
إنت بتقول إيه؟!
التوأم أكمل
أنا مش أخوك أنا النسخة اللي اتربّت عشان تكمل مكانه لو ضاع.
الصمت وقع كالصاعقة.
عاصم بص لفريدة
إنتي عملتي إيه؟
فريدة دموعها نزلت أخيرًا
أنا كنت بحاول أنقذ طفل بس بدل ما أنقذه قسمت حياته اتنين.
وفجأة
صوت بعيد في الممر ضحك.
ضحكة طفل.
لكن المرة دي كانت مختلفة
مش يوسف.
ولا التوأم.
الصوت كان جاي من العمق من ورا الصور.
ومن الضلمة ظهر باب حديدي قديم.
مفتوح ببطء.
والجملة اللي اتسمعت من جوه كانت أخطر من كل اللي فات
اتأخرتوا أنا اللي كنت مستنيكم من البداية.
يوسف بص للباب وهو بيهمس
إحنا كنا بنجري ورا الحقيقة وهي كانت مستخبية جوانا من الأول.
والباب فتح أكتر
والمرة دي مفيش رجوع الباب الحديدي اتفتح على آخره وخرج منه هواء بارد كأنه جاي من زمن تاني.
الكل اتجمد.
عاصم كان أول واحد يحاول يتحرك، لكن رجله ما استجابتش.
جوا الباب مفيش ممر عادي.
كان فيه غرفة صغيرة جدًا، شبه غرفة عمليات قديمة لكن متحوّلة لركن ذكريات.
صور ملفات أجهزة مراقبة قديمة ودفاتر مكتوبة بإيد مهزوزة.
وفي النص
كرسي واحد.
وعليه دفتر مفتوح.
والصوت اللي طلع من الضلمة قال بهدوء
اتفضلوا شوفوا اللي بدأ قبل ما تولدوا.
يوسف ابتلع ريقه بصعوبة
إنت مين؟
الصوت ضحك ضحكة قصيرة
أنا اللي محدش سابله فرصة يعيش اسمه.
فريدة همست وهي باصة للباب
مش ممكن ده المكان ده اتحرق.
لكن قبل ما تكمل
نور خاڤت اشتغل في الغرفة فجأة.
وظهر شخص واقف جنب الكرسي.
راجل مسن جدًا لكنه ثابت بشكل مرعب.
وشه مش واضح كامل لكن صوته كان مألوف بطريقة تخوف.
محمود اتجمد
ده مستحيل يكون
الراجل قاطعه
اللي بيموتوا بس هم اللي بيتنسيهم الناس.
عاصم حس بدوخة
إنت عايش؟
الراجل لف ببطء ناحية يوسف.
وبص له نظرة طويلة جدًا.
ثم قال
أهو جه أخيرًا الطفل اللي اتقسم حياته علشان يعيش غيره.
يوسف اتراجع خطوة
أنا مش فاهم حاجة!
الراجل رد بهدوء قاټل
عشانك إنت اتخلق اتنين.
الصمت وقع تاني.
وفريدة وقعت على ركبتها
كفاية كفاية بقى!
لكن الراجل أكمل
في يوم كان لازم قرار يتاخد. طفل واحد يعيش في النور والتاني يعيش في الظل.
عاصم صړخ
مين اللي قرر؟!
الراجل رفع عينه
إنت.
سكون.
كأن الزمن وقف.
عاصم بص له بذهول
أنا؟!
الراجل هز رأسه
قبل ما تعرف وقّعت على الورق من سنين. قبل ما تفهم. قبل ما تسأل.
يوسف بص لأبوه پصدمة
إنت وافقت؟
عاصم رجع خطوة لورا
أنا أنا ما كنتش أعرف!
لكن الراجل اقترب خطوة وقال
المهم مش إنك كنت تعرف المهم إن القرار اتاخد.
وفجأة
الكرسي في النص اتحرك لوحده.
والدفتر اتقلب صفحة صفحة كأنه حد بيقرأ بصمت.
وبعدين وقف عند صفحة معينة.
وفيها مكتوب
الطفل الأول محفوظ
الطفل الثاني يوسف
الحالة فصل نهائي
يوسف بص للورقة ووشه اتكسر
يعني أنا كنت مشروع؟
فريدة صړخت
لأ! إنت ابني!
لكن الراجل قاطعها
هو ابن قرار مش بس ابن أم.
عاصم مسك راسه
أنا مش مصدق أنا ما عملتش كده!
الراجل ابتسم
بس أنت وافقت إن واحد يعيش والتاني يتشال من القصة.
وفجأة
التوأم التاني اللي واقف في الظل اتحرك خطوة لقدام.
وبص للراجل وقال بهدوء
كفاية كلام.
وبعدين بص ليوسف
الحقيقة لسه ناقصة.
يوسف رفع عينه
إيه اللي ناقص؟
التوأم قال جملة واحدة بس
مين فينا اللي كان لازم ېموت من البداية؟
وفي اللحظة دي
النور في الغرفة كله طفى مرة واحدة.
وصوت جهاز قديم اشتغل لوحده
وتسجيل بدأ يشتغل من سنين فاتت
تجربة الفصل نجحت.
وصوت صړيخ طفلين مع بعض ملأ المكان
وبعدها
صوت واحد بس فضل.
لكن مش واضح مين.
والباب اتقفل ببطء
كأن الحقيقة قررت تفضل محپوسة جوه لسه شوية الظلام رجع يبلع الغرفة كأنها اتقفلت من جوه الزمن نفسه.
لكن صوت التسجيل فضل شغال
صوت طفل پيصرخ وبعدين صوت تاني أهدى وبعدين فجأة صمت.
وبعده جملة واحدة اتقالت ببرود
تم الاحتفاظ بالنسخة الناجحة.
يوسف حس إن رجله مش شايلاه.
نسخة؟
التوأم اللي واقف جنبه قال بهدوء
أيوه نسخة.
عاصم صړخ
كفاية لعب! أنا عايز أفهم مين فيكم ابني!
لكن الراجل المسن رد قبلهم، بصوت واطي
إنت ما عندكش ابن واحد عندك نتيجة تجربة.
فريدة وقفت فجأة كأنها اتكهربت
اسكت!
لكن الراجل كمل
مش أنا اللي بدأت إنتِ اللي وافقتِ تسكتِ عشان طفل واحد يعيش.
يوسف لف ناحية أمه ببطء
إنتي؟
فريدة عينيها دمعت
أنا كنت بحميك.
التوأم ابتسم ابتسامة خفيفة
ولا بتحمي نفسك.
وفجأة
جهاز قديم في الركن اشتغل لوحده.
وشاشة صغيرة نورت.
وصورة ظهرت.
فريدة واقفة في نفس الغرفة من سنين.
لكن كانت أصغر وبتتكلم مع مجموعة دكاترة.
واحد منهم قال
لازم نختار طفل واحد. الاتنين مش هيكملوا.
وفريدة ردت بصوت مكسور
خليه هو يعيش أي واحد بس يعيش.
الصورة وقفت.
عاصم بص لها بذهول
يعني ده كان اختيارك؟
فريدة هزت راسها وهي پتنهار
كنت فاكرة إنّي بنقذ طفل ماكنتش فاكرة إني بهدم طفل تاني.
يوسف رجع خطوة لورا
يعني أنا اللي كنت لازم أكون مش موجود؟
التوأم رفع عينه وقال بهدوء مرعب
لا إنت اللي اتكتب له يفضل.
سكت.
وبعدين أشار لنفسه
وأنا اللي اتشال من القصة.
محمود تدخل بسرعة
مش كده! إنتوا الاتنين اتعمل فيكم نفس الشيء!
لكن التوأم لف له وقال
لأ واحد فينا عاش حياة كاملة والتاني عاش حياة مراقبة.
يوسف بص له
مراقبة؟
التوأم اقترب منه خطوة
أنا كنت شايفك طول الوقت من أول يوم خرجت فيه من الدار من أول ضحكة من أول مرة نادوك فيها يوسف.
يوسف همس
إنت كنت فين؟
التوأم رد
ورا الحيط.
الصمت وقع فجأة.
كأن الكلمة دي فتحت باب جديد في عقل يوسف.
وفجأة
فلاشات ذكريات بدأت ټضرب دماغه.
ممرات ضيقة
صوت حد بيناديه وهو طفل
وشباك صغير في حيطه بيبص منه على حياة مش حياته.
يوسف مسك راسه
لأ ده مش حقيقي!
لكن التوأم قال بهدوء
ده كل اللي أنا كنت فيه شايفك وانت بتعيش الحياة اللي كان مفروض تكون لينا الاتنين.
عاصم بص حواليه پجنون
يبقى مين ابني الحقيقي؟!
الراجل المسن رد بهدوء قاټل
الاتنين.
سكون.
وبعدين أكمل
بس مش بنفس المعنى.
وفجأة
صوت إنذار اشتغل في المكان.
أبواب الغرفة كلها بدأت تقفل واحدة واحدة.
محمود صړخ
ده فخ!
الراجل ابتسم
مش فخ ده تصفية أخيرة.
فريدة بصت له بړعب
إنت عايز إيه؟
الراجل قال بهدوء
عايز أشوف مين فيهم هيختار يفضل ومين هيختار يختفي.
التوأم بص ليوسف وقال
المرة دي مش قرار حد غيرنا.
يوسف بلع ريقه
إحنا نختار إيه؟
التوأم قرب منه وهمس
واحد فينا يخرج والتاني يقفل الباب عليه.
عاصم صړخ
لأ! مفيش حد ھيموت!
لكن الباب الحديدي بدأ يقفل ببطء شديد
وكل ثانية كانت بتسرق فرصة جديدة.
يوسف بص لأخوه التوأم لأول مرة بدون خوف.
وقال بصوت منخفض
لو خرجت أنا هتفتكر مين
أنا؟
التوأم ابتسم لأول مرة ابتسامة حقيقية
هفتكرك كأنك أنا وأنا هفضل اللي محدش شافه.
وسكت لحظة.
وبعدين قال
بس بسرعة الباب بيقفل.
وفي اللحظة دي
يوسف حط إيده على المقبض
لكن وقف فجأة.
وبص وراه لعاصم وفريدة.
وقال
ولو اخترت أخرج الحقيقة هتعيش فين؟
وسكت.
لأن في اللحظة دي
ما بقاش السؤال مين يعيش.
بقى السؤال
مين فيهم يقدر يعيش بالحقيقة اللي هتفضل بعد الاختيار الباب الحديدي كان بيقفل ببطء، وكل صوت تكّة كان بيحسّسه إن الوقت بيتسحب من تحت رجليهم.
يوسف ماسك المقبض وإيده بترتعش.
التوأم واقف قصاده، ثابت بشكل مرعب.
عاصم پيصرخ
ما تختاروش حاجة! اطلعوا الاتنين!
لكن الصوت كان بيختفي وسط صرير الباب.
فريدة واقفة على الأرض، دموعها مش قادرة توقف
لو فضلتوا الاتنين هيموتوا الاتنين.
يوسف بص لأخوه التوأم لأول مرة من غير خوف.
وقال بهدوء
أنا مش عايز أكون نسخة ولا اختيار حد.
التوأم رد بنفس الهدوء
وأنا مش عايز أعيش كظل حد.
سكتوا لحظة.
وكأنهم أخيرًا فهموا بعض من غير كلام.
يوسف ابتسم ابتسامة صغيرة
لو إحنا واحد يبقى مش لازم نفضل اتنين.
التوأم هز رأسه
يبقى نكمل القصة صح.
في اللحظة دي
عاصم فهم.
لأ استنوا!
لكن كان متأخر.
يوسف والتوأم معًا دخلوا جوه الغرفة العميقة اللي ورا الباب.
والباب بدأ يقفل بسرعة.
فريدة صړخت
يوسف!
لكن الصوت اتقطع مع آخر فتحة نور.
وبعدين
تَكّة
سكون.
الباب اتقفل.
الراجل المسن واقف في الظل ابتسم بهدوء.
وقال
كده الحقيقة اتقفلت زي ما بدأت.
محمود بص له پغضب
إنت عملت إيه؟!
الراجل رد بهدوء
ماعملتش حاجة هما اللي اختاروا.
عاصم وقع على ركبته قدام الباب الحديدي
افتح افتح الباب!
لكن مفيش رد.
فريدة همست بصوت مكسور
يمكن دي كانت النهاية اللي كان لازم تحصل من الأول.
سنين من الصمت مرّت في ثواني.
وفجأة
نور خاڤت طلع من تحت الباب.
ومعاه صوت واحد بس.
صوت يوسف بعيد جدًا لكنه واضح
بابا متدورش علينا كأشخاص دور علينا كحقيقة.
وبعدين سكون.
الراجل المسن لف وبدأ يمشي ناحية الظلام وقال آخر جملة
في قصص مش بتنتهي.
هي بس بتتخبّى لحد ما حد جديد يفتحها تاني.
ومشى.
عاصم فضل قدام الباب الحديدي مش بيتحرك.
وفريدة واقفة وراه مکسورة بالكامل.
لكن فجأة
على الأرض قدام الباب
ظهر ورق صغير طالع من تحت الفتحة.
عاصم مد إيده ولقطه.
كان مكتوب عليه بخط يوسف
احنا مش جوه.
احنا في كل مكان كنت فاكره إنه انتهى.
رفع عينه ببطء
والفيلا والملجأ والجنينة
كلهم فجأة بقوا في دماغه نفس المشهد.
كأن القصة ماقفلتش
كأنها بس غيرت مكانها.
والكاميرا في الظلام اشتغلت لوحدها
وضوء أحمر صغير نَوّر.
نهاية أو بداية تانية للي لسه ما اتقالش كله.

تم نسخ الرابط