بنت الشغاله
المحتويات
كده اتصلت بيك.
ليه؟
لأنهم مش بيطاردوني أنا بس.
أمال مين؟
نظر يوسف مباشرة في عيني والده.
وقال
بيطاردوك أنت كمان.
وأدرك عاصم أن استعادة ابنه لم تكن نهاية القصة...
بل كانت بداية حرب جديدة، وحقيقة أكبر بكثير من حاډثة اختفاء طفل قبل عشر سنوات قبض عاصم على الفلاشة بقوة، بينما السيارات السوداء توقفت على بعد أمتار قليلة.
نزل منها رجال بملابس رسمية.
مش مسلحين بشكل ظاهر.
لكن نظراتهم كانت كافية تخلي أي حد يفهم إنهم جايين لهدف واحد.
التخلص من أي أثر للحقيقة.
سامح همس
لازم نمشي حالًا.
لكن يوسف هز رأسه.
مفيش فايدة.
عاصم بص له باستغراب.
ليه؟
يوسف أشار للفلاشة.
عشان اللي فيها أخطر من إنهم يسيبونا نمشي.
وفجأة خرج رجل كبير في السن من إحدى السيارات.
شعره أبيض.
وبدلته فاخرة.
وما إن رآه عاصم حتى اتسعت عيناه.
محمود السيوفي!
كان رجل أعمال معروفًا، وصديقًا قديمًا للعائلة.
بل وكان من أوائل الناس الذين وقفوا بجوار عاصم بعد اختفاء يوسف.
اقترب السيوفي ببطء وقال
انتهى الموضوع يا عاصم.
رد عاصم پغضب
أنت السبب؟
تنهد الرجل.
أنا جزء من السبب.
ليه؟!
سكت لحظة ثم قال
لأن الحقيقة لو ظهرت من عشر سنين، كانت هتدمر عائلات كتير.
يوسف صړخ
وتدمر حياة طفل أسهل؟
أخفض السيوفي رأسه.
ولأول مرة بدا عليه الندم.
ثم قال
يوسف ما اتخطفش بسبب فلوس.
ساد الصمت.
حتى الهواء كأنه توقف.
عاصم قال ببطء
أمال بسبب إيه؟
نظر السيوفي إلى يوسف.
ثم إلى عاصم.
وقال
لأن يوسف مش ابنك الوحيد.
تجمد الجميع.
عاصم شعر وكأن الأرض انشقت تحته.
إيه؟
السيوفي أكمل
قبل اختفاء يوسف بسنوات، حصلت چريمة كبيرة... چريمة حاول ناس كتير يدفنوها.
فتح حقيبة صغيرة كانت معه.
وأخرج ملفًا قديمًا.
في داخله صور ومستندات.
ثم أخرج صورة واحدة ووضعها أمام عاصم.
في الصورة كانت زوجته فريدة تحمل طفلين رضيعين.
وليس طفلًا واحدًا.
عاصم حدق في الصورة غير مصدق.
مستحيل...
السيوفي قال
كان عندكم توأم.
ارتعش صوت عاصم
فريدة قالت إن الطفل الثاني ماټ وقت الولادة.
وده اللي اتقال لك.
تقصد إيه؟
أجاب السيوفي
الطفل ما ماتش.
يوسف كان ينظر إلى الصورة پصدمة لا تقل عن صدمة والده.
أما السيوفي فأكمل
في ناس كانوا عايزين واحد من الطفلين بسبب ميراث قديم وصراعات عائلية معقدة.
وبعدين؟
تم تزوير أوراق... وإخفاء الحقيقة.
والطفل الثاني؟
أغمض السيوفي عينيه للحظة.
وقال
عاش.
عاصم همس
فين؟
لكن قبل أن يجيب...
انطلقت صفارات سيارات الشرطة من بعيد.
اقتربت بسرعة نحو المزرعة.
نظر السيوفي نحو الطريق ثم ابتسم ابتسامة غامضة.
وقال
الظاهر إن أسرار عشرين سنة قررت تخرج كلها في ليلة واحدة.
ثم أشار إلى آخر صفحة في الملف.
صفحة تحمل اسمًا واحدًا فقط.
اسم شخص ما زال حيًا...
وشخص كان قريبًا جدًا من عاصم طوال حياته.
الشخص الذي يعرف مكان التوأم الآخر حتى هذه اللحظة.
وحين قرأ عاصم الاسم...
شحب وجهه تمامًا.
لأنه كان اسم فريدة نفسها عاصم حدّق في الاسم المكتوب على الصفحة الأخيرة.
فريدة الهواري.
زوجته.
أم يوسف.
المرأة اللي عاش معاها أكتر من خمسة عشر سنة.
المرأة اللي اڼهارت يوم اختفاء ابنها.
واللي دخلت في اكتئاب طويل بعدها.
رفع عاصم عينه ببطء نحو السيوفي.
وقال بصوت مبحوح
إنت بتقول إن فريدة كانت عارفة؟
السيوفي تنهد.
مش كل الحقيقة... لكن جزء منها.
يوسف كان واقفًا مذهولًا.
أمي كانت عارفة إن عندي أخ؟
هز السيوفي رأسه.
كانت عارفة إنه اتولد.
وبعدين؟
وبعدين اتقال لها إنه ماټ.
عاصم صړخ
يبقى هي اتضحك عليها زينا!
السيوفي سكت لحظة.
ثم قال
في البداية... أيوه.
وفي النهاية؟
أخفض السيوفي رأسه.
في النهاية اكتشفت.
ساد صمت ثقيل.
عاصم شعر أن كل شيء حوله ينهار.
اكتشفت إمتى؟
بعد اختفاء يوسف بسنتين.
يوسف قال پصدمة
وسكتت؟
رد السيوفي
لأنها اتعرضت لټهديد.
ثم أخرج رسالة قديمة صفراء من الملف.
كانت مكتوبة بخط يدوي.
وفيها جملة واحدة
لو حاولتي تفتحي الماضي... هتخسري الولدين معًا.
ارتجفت يد عاصم وهو يقرأها.
وفجأة تذكر شيئًا.
قبل سنوات طويلة، استيقظ ليلة ووجد فريدة تبكي وحدها في غرفة يوسف.
سألها وقتها عن السبب.
فقالت إنها تتألم من الذكريات.
لكنه الآن بدأ يشك أن دموعها كانت لسبب آخر.
رن هاتفه فجأة.
نظر إلى الشاشة.
كان اسم فريدة.
للحظة تردد.
ثم أجاب.
جاءه صوتها مرتعشًا
عاصم... أنت فين؟
عايز أسألك سؤال واحد.
سكتت.
وكأنها عرفت السؤال قبل أن يُقال.
قال
كان عندنا توأم؟
على الطرف الآخر...
لم يسمع سوى بكاء.
بكاء طويل ومكسور.
ثم همست
سامحني.
أغلق عاصم عينيه.
وقال
قولي الحقيقة.
ردت فريدة بصوت متقطع
أنا اكتشفت بعد سنتين من اختفاء يوسف إن ابني التاني عايش.
شهق يوسف.
أما عاصم فبقي صامتًا.
فأكملت
كانوا مراقبيني... وهددوني بيك وبيوسف.
فين هو؟
سكتت لثوانٍ.
ثم قالت
مش هقدر أقول في التليفون.
ليه؟
لأن الشخص اللي أخد الولد التاني... موجود معايا دلوقتي.
تجمد الډم في عروق الجميع.
عاصم قال بحدة
إنتِ فين؟
لكن قبل أن ترد...
جاء صوت رجل في الخلفية.
صوت هادئ جدًا.
ومخيف جدًا.
قال
أخيرًا عرفتم جزءًا من الحقيقة.
ثم انقطع الخط.
نظر يوسف إلى والده.
وقال
إحنا لازم نرجع القاهرة.
لكن عاصم لم يكن يفكر في القاهرة.
ولا في الشرطة.
ولا في السيوفي.
كل ما كان يدور في رأسه الآن سؤال واحد
إذا كان يوسف عاد...
وإذا كان التوأم الآخر ما زال حيًا...
فمن هو الرجل الذي يقف الآن بجوار فريدة؟
ولماذا انتظر عشرين سنة كاملة قبل أن يظهر؟
نهاية هذا الفصل من القصة المفتوحة، ويمكن أن تتفرع بعدها لأحداث كثيرة مختلفة حسب الاتجاه الذي تريده للرواية عاد عاصم ويوسف إلى القاهرة في نفس الليلة.
لم ينم أحد منهما دقيقة واحدة.
كانت كلمات فريدة تتردد في رؤوسهم
الشخص اللي أخد الولد التاني موجود معايا دلوقتي.
وصلوا الفيلا قبل الفجر.
لكن ما إن دخلوا حتى لاحظوا شيئًا غريبًا.
البيت هادئ أكثر من اللازم.
لا حراس.
لا خدم.
لا سيارات في الساحة.
وكأن الجميع اختفى فجأة.
صعد عاصم الدرج بسرعة وهو ينادي
فريدة!
لا رد.
فتح غرفتها.
فارغة.
فتح المكتب.
فارغ.
حتى هاتفها كان ملقى على الطاولة.
يوسف التقط الهاتف ووجد رسالة صوتية غير مسموعة.
شغّلها فورًا.
وجاءهم صوت فريدة
لو سمعتوا الرسالة دي... يبقى أنا مش موجودة في البيت. متدوروش عليا في الأماكن اللي تعرفوها. دوروا في المكان اللي بدأت فيه الحكاية كلها.
ثم انتهت الرسالة.
نظر يوسف إلى والده.
تقصد إيه؟
لكن عاصم كان قد فهم.
همس
الجنينة.
أي جنينة؟
الجنينة اللي اختفيت منها.
بعد ساعة كانوا في الإسكندرية.
في نفس المكان الذي فُقد فيه يوسف قبل عشر سنوات.
المكان تغير كثيرًا.
لكن هناك شيء واحد لم يتغير.
الشجرة الضخمة القريبة من السور الخلفي.
اقترب عاصم منها ببطء.
وتذكر أن يوسف كان يحب اللعب حولها.
ثم لاحظ شيئًا محفورًا على الجذع.
حرفان فقط
ي س
يوسف لمس الحفر بأصابعه.
ده أنا؟
هز عاصم رأسه.
كنت بتحب تكتب أول حرف من اسمك.
ثم لمح شيئًا مدفونًا عند جذور الشجرة.
بدأ يحفر بيديه.
وبعد دقائق أخرج صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
كان مغلقًا بمفتاح قديم.
لكن المفتاح كان مثبتًا أسفله بشريط لاصق.
فتح الصندوق.
وفي داخله صورة قديمة.
وصورة أخرى.
ورسالة.
أما الصورة الأولى فكانت لفريدة تحمل طفلين توأم.
والثانية فكانت لرجل مجهول يقف بجوارهما.
وفي ظهر الصورة مكتوب
الحقيقة تبدأ من هنا.
فتح عاصم الرسالة بسرعة.
وكانت مكتوبة بخط فريدة
لو وصلتوا للرسالة دي، يبقى مفيش مجال للهروب أكتر من كده. الرجل اللي أخذ ابننا الثاني ليس مجرمًا كما تظنون. بل هو الشخص الذي أنقذ حياته.
تبادل عاصم ويوسف النظرات.
وأكملا القراءة.
في يوم الولادة، اكتشف طبيب المستشفى أن أحد الطفلين يعاني من حالة وراثية نادرة. أحد رجال العائلة أراد التخلص منه خوفًا على الميراث وسمعة العائلة. لكن شخصًا واحدًا رفض. فأخذ الطفل وهرب.
ارتعشت يد عاصم.
والرجل الذي هرب به... ليس غريبًا عنا.
توقف يوسف عن التنفس تقريبًا.
وعاصم أكمل قراءة السطر الأخير
إنه أخوك الأكبر يا عاصم.
سقطت الرسالة من يد عاصم.
أخوه الأكبر؟
محمود؟
لكن محمود ماټ منذ أكثر من عشرين سنة في حاډث سيارة!
أم أنه لم يمت هو الآخر؟
نظر يوسف إلى والده وقال
إحنا طول الوقت بندور على ناس مېتة... ويطلعوا عايشين.
وفي تلك اللحظة بالذات...
رن هاتف يوسف.
رقم مجهول.
رد فورًا.
فجاءه صوت رجل مسن
يوسف...
مين؟
سكت الرجل لحظة.
ثم قال
أنا عمك محمود.
وتوقف قلب يوسف تقريبًا عندما أكمل الرجل
وأخوك التوأم واقف جنبي
متابعة القراءة