ابويا كان متجوز
المحتويات
إسعاد شهقت وهي قامت واقفة من مكانها دون ما تنطق بكلمة...الشخص دخل بخطوات ثابتة، لابس بدلة شيك، وشعره كله شاب، لكن ملامحه فيها هيبة غريبة.
أول ما شاف أمي، مد إيده وسلم عليها باحترام وقال
كل سنة وإنتِ طيبة يا أستاذة هدى.
ابتسمت وقالت
أهلًا يا أستاذ سامح... اتفضل، كنا مستنيينك.
أبويا قام واقف مرة تانية.
سامح؟!
الرجل بص له وهز راسه.
مساء الخير يا أستاذ عبد السميع.
كان واضح إنهم يعرفوا بعض.
بس أبويا كان متوتر بطريقة عمري ما شفتها.
خالي سأل باستغراب
مين الأستاذ سامح؟
أمي ردت بهدوء
محاسب قانوني... وصديق قديم للعيلة.
سامح حط شنطة جلد سوداء على الترابيزة.
فتحها بهدوء.
طلع منها ملف كبير، وربطه بإستيك.
وقال
زي ما طلبتي... كل الورق بالترتيب.
أبويا صړخ
ورق إيه؟!
أمي بصتله لأول مرة من أول الحفلة نظرة طويلة وقالت
ورق يخص خمسة وعشرين سنة يا عبد السميع.
سكت المكان كله.
حتى صوت التكييف كان مسموع.
أمي فتحت الملف، لكن بدل ما تقرأ منه، سلمته لسامح.
وقالت
اقرأ إنت.
سامح فتح أول صفحة وقال
دي عبارة عن كشف بتحويلات مالية شهرية بدأت من خمسة وعشرين سنة...
أبويا قاطعه بعصبية
إنت مالك؟ اقفل الورق ده.
سامح كمل كأنه مسمعش.
...والتحويلات كانت بتخرج من حساب الأستاذ عبد السميع بشكل منتظم.
همسات بدأت تعلى وسط الضيوف.
واحدة من قرايبنا قالت
تحويلات لمين؟
سامح قلب الصفحة.
للسيدة... إسعاد.
مدام إسعاد وشها اصفر.
لكنها حاولت تتمالك نفسها وقالت بسرعة
كان بيساعدنا... إيه المشكلة؟
أمي ابتسمت وقالت
طبعًا... المساعدة مش عيب.
وسكتت ثانيتين.
عشان كده عمري ما اعترضت.
أبويا بص لها باستغراب.
واضح إنه بدأ يفتكر إنها هتعدي الليلة زي كل مرة.
لكن أمي قالت الجملة اللي خلتني أعرف إن اللي جاي أخطر بكتير
المشكلة مش في الفلوس...
وأشارت بإيدها على الصندوق الخشب.
...المشكلة في الورقة اللي مستخبية تحت كل ده.
كل العيون راحت ناحية الصندوق.
وأبويا لأول مرة صړخ بصوت عالي
هدى... اقفلي الصندوق ده حالًا.
لكن أمي مدت إيدها ببطء...
ورفعت الورقة الأخيرة...
وبمجرد ما أبويا لمح عنوانها من بعيد، حط إيده على الكرسي كأنه هيقع، بينما مدام إسعاد بدأت تتراجع للخلف وهي بتردد في خوف
إنتِ... إنتِ عرفتي من إمتى؟!أمي ماردتش عليها.
فضلت ماسكة الورقة بين صوابعها، وبصت للحضور كلهم قبل ما ترجع تبص لأبويا.
قالت بهدوء
عارفة من زمان... بس كنت مستنية الوقت الصح.
أبويا حاول يقرب منها.
هاتِ الورقة دي يا هدى... نتكلم جوه.
رجعت خطوة لورا وقالت
لا... الكلام اللي اتعاش في السر سنين، لازم يتقال قدام الناس.
التوتر بقى يخنق المكان.
هالة قامت من مكانها وقالت بعصبية
هو في إيه؟ حد يفهمنا.
أمي بصتلها بحنان غريب وقالت
اقعدي يا بنتي... إنتِ ملكيش ذنب في أي حاجة.
الكلمة دي خلت هالة تتجمد.
هي أول مرة أمي تناديها يا بنتي.
أما مدام إسعاد، فكانت بتفرك إيديها في بعض وهي مش قادرة تبص ناحية أبويا.
سامح قال بهدوء
أكمل؟
أمي هزت راسها.
فتح الملف على صفحة تانية وقال
خلال خمسة وعشرين سنة، تم شراء شقة، وقطعة أرض، وسيارة... وكلها سُجلت بأسماء مختلفة.
خاليا اتفاجئ وقال
إيه علاقة ده بعيد الميلاد؟
أمي ردت
اصبر... كل حاجة هتبان.
أبويا حاول يضحك وهو بيقول
هدى بتبالغ... دي استثمارات عادية.
لكن صوته كان مهزوز.
أمي رفعت الورقة اللي في إيدها وقالت
عارف أنا محتفظة بالورقة دي ليه؟
ماحدش رد.
قالت
لأنها أول ورقة خلتني أتأكد إن إحساسي مكانش غلط.
ثم بصت له مباشرة وقالت
ومن يومها... بطلت أواجهك.
أنا استغربت.
يعني يا ماما... إنتِ ماواجهتيهوش ولا مرة؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
واجهته؟ ليه؟
وسكتت لحظة قبل ما تكمل
اللي بيكدب مرة... هيكدب مية. لكن اللي بيسكت، بيخلي الكداب يطمن... ويغلط أكتر.
الحضور كله كان ساكت.
حتى أبويا بقى مش عارف يقول إيه.
أمي حطت الورقة على الترابيزة وقالت
كل سنة كنت بسيبه يعمل اللي هو عايزه... وأنا أوثق كل حاجة بهدوء.
ثم لمست الصندوق الخشبي بطرف صوابعها.
كل إيصال... كل
متابعة القراءة