ابويا كان متجوز
المحتويات
رسالة وصلت بالغلط... كل ورقة... وكل موقف، اتحفظ هنا.
مدام إسعاد همست بصوت مرتعش
إنتِ كنتِ... بتجمعي كل ده؟
أمي ردت من غير ما ترفع صوتها
ولا حاجة بتضيع... طول ما صاحبها صابر.
ثم التفتت ناحية سامح وقالت
هات الملف الأخير.
سامح أخرج ملفًا بني اللون كان منفصلًا عن باقي الأوراق.
أول ما شافه أبويا...
غمض عينيه، وأخذ نفسًا طويلًا، وقال بصوت خاڤت
لا... مش الملف ده.
لكن أمي أمسكت الملف بيديها، ووضعته أمامها على الطاولة، وقالت
ده الملف اللي استنيت أفتحه... لحد ما كملت خمسين سنة.
ثم نظرت إلى الجميع وقالت
اللي فيه... هيغير نظرة ناس كتير لكل اللي فات.
وساد الصمت في البيت كله، وكل العيون اتعلقت بالملف البني، في انتظار اللحظة اللي هيتفتح فيها...أمي حطت إيدها على الملف البني، لكنها ما فتحتهوش على طول.
بصت للحضور وقالت
قبل ما أفتحه... في سؤال واحد عايزة أسأله لعبد السميع.
أبويا كان وشه شاحب.
قال بصوت مبحوح
اسألي.
قالت
طول الخمسة وعشرين سنة اللي فاتوا... نمت يوم واحد وإنت مرتاح الضمير؟
سكت.
ولا نطق بحرف.
أمي ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت
السكوت أوقات بيكون أوضح من أي إجابة.
بعدها فتحت الملف.
لكن بدل ما تطلع ورقة واحدة...
طلعت رزمة خطابات قديمة، مربوطة بشريط ساتان أبيض.
قالت
عارفين دي إيه؟
كل الموجودين كانوا مركزين معاها.
دي كل الخطابات اللي كانت بتوصل بالغلط عندي.
مدام إسعاد شهقت.
وأبويا غمض عينيه.
أمي فكّت الشريط، ورفعت أول جواب.
زمان قبل الموبايلات، كان في جواب جه على عنوان بيتنا، وفتحه البواب بالغلط وسلّمهولي.
ثم حطته على الترابيزة.
وقتها عبد السميع قال إنه خاص بزميل في الشغل.
طلعت جواب تاني.
وده جه بعده بسنة.
ثم تالت.
وده بعده بتلات سنين.
أنا كنت مذهولة.
يعني إنتِ احتفظتي بيهم كلهم؟
هزت رأسها وقالت
ولا رميت ورقة واحدة.
سامح قال للحضور
والتواريخ كلها محفوظة.
أبويا أخيرًا اڼفجر
كفاية يا هدى... اللي فات ماټ.
ردت بهدوء
اللي فات ما ماتش... لأنه فضّل يأثر في حياة ناس لحد النهارده.
ثم التفتت ناحية هالة وهبة.
وقالت بنبرة كلها رقة
أنا عمري ما حملتكم ذنب الكبار.
هالة كانت دموعها نازلة.
وقالت
إحنا مش فاهمين حاجة.
أمي قربت منها وربتت على كتفها.
وعشان كده... استنيت لحد ما بقيتوا كبار، وكل واحدة بقت ليها بيت وحياة مستقلة.
مدام إسعاد قالت وهي بټعيط
هدى... بالله عليكي بلاش.
أمي بصتلها وقالت
أنا لسه ما قلتش حاجة.
ثم رفعت آخر ظرف من الملف.
كان مختلف عن الباقي.
مختوم بالشمع الأحمر.
وقالت
الظرف ده وصلني من سبع سنين.
أبويا صړخ
إوعي تفتحيه!
أمي ابتسمت لأول مرة بثقة واضحة.
فتحتُه يوم ما وصل... وقريته أكتر من مية مرة.
ثم حطت الظرف قدامها، وأخذت نفسًا عميقًا، وقالت
وده بالذات... هو السبب الحقيقي إني اخترت يوم عيد ميلادي الخمسين، وجمعتكم كلكم الليلة دي.
وفضلت ماسكة الظرف بين إيديها، بينما كل الموجودين كانوا منتظرين تعرف محتواه، وأبويا واقف مكانه كأنه عارف أن اللحظة اللي بعدها هتغيّر كل شيء أمي مررت صوابعها على الظرف لحظات، ثم فتحته بهدوء شديد.
طلعت منه ورقة واحدة مطوية.
فردتها قدامها، لكن بدل ما تقراها، رفعت عينيها لأبويا وقالت
فاكر الرسالة دي؟
أبويا ما ردش.
كان باصص للأرض.
قالت
واضح إنك فاكرها.
ثم ناولت الورقة لسامح.
قرأ أول سطر بصوت هادئ
الأستاذ عبد السميع... نحيط سيادتكم علمًا...
وقبل ما يكمل، أبويا صاح
خلاص... كفاية.
سامح وقف عن القراءة.
أمي قالت
ليه؟ خاېف الناس تسمع دلوقتي؟
أبويا لأول مرة انكسر صوته.
هدى... عشان خاطر العِشرة.
ردت
أنا حافظت على العِشرة خمسة وعشرين سنة.
سكت الجميع.
حتى مدام إسعاد كانت بتمسح دموعها من غير ما تتكلم.
أمي كملت
عارفين ليه ما عملتش مشاكل؟
خالتي قالت
إحنا كلنا مستغربين.
قالت
لأن أي مشكلة كنت هعملها وقتها، اللي كان هيدفع تمنها بنت عندها عشر سنين... يعني أمنية.
بصيت لها وأنا مش قادرة أتكلم.
ابتسمت لي وقالت
أنا كنت عايزاكي تكبري في بيت هادي، وتكملي تعليمك، وما تعيشيش وسط خناقات كل
يوم.
دموعي نزلت.
عمري
متابعة القراءة