اختي لبست كل البنات
المحتويات
أترك لمريم الصندوق الذي احتفظت به عند المحامي منذ سنوات.
بدأ الهمس في القاعة.
صندوق؟
أي صندوق؟
أخرج المحامي صندوقًا خشبيًا صغيرًا وقديمًا.
وسلّمه لي.
فتحته ببطء.
ولم يكن فيه ذهب.
ولا مجوهرات.
ولا أوراق ملكية.
كان فيه شيء أغلى بالنسبة لي.
عشرات الرسائل المكتوبة بخط يد جدتي.
رسالة لكل سنة من سنوات عمري تقريبًا.
وفي أعلى أول رسالة كانت مكتوبة عبارة واحدة
للبنت التي خاڤت دائمًا أن تكون غير مرئية... كنت أراكِ دائمًا.
وانهمرت دموعي دون أن أشعر.
لأن أحيانًا...
أعظم ميراث يتركه لنا شخص نحبه ليس المال.
بل اليقين أن أحدًا ما رأى كل ما قدمناه... ولم ينسه أبدًا.
تمت. بعد ما رجعنا من جلسة الوصية...
قعدت لوحدي في أوضة النوم.
والصندوق الخشبي قدامي.
كنت مترددة أفتح باقي الرسائل.
خاېفة أفرح.
وخاېفة أعيط.
لكن فضولي غلبني.
فتحت الرسالة التانية.
وكان تاريخها من يوم تخرجي من كلية الهندسة.
ومكتوب فيها
يا مريم... لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أكيد حققتي حلمك.
أنا عارفة إنك هتتعبي أكتر من غيرك.
وعارفة إن ناس كتير هياخدوا مجهودك على الجاهز.
لكن الشجرة المثمرة هي اللي الناس بترميها بالحجارة.
ابتسمت وسط دموعي.
كأن جدتي كانت قاعدة قدامي فعلًا.
وكل يوم بقيت أفتح رسالة جديدة.
لحد ما وصلت لآخر ظرف.
وكان مختلف عن الباقي.
عليه ملاحظة صغيرة
لا تفتحيه إلا إذا شعرتِ يومًا أنك وحيدة.
ساعتها اترددت.
لكن في تلك الليلة بالذات...
كنت فعلًا حاسة بالوحدة.
ففتحته.
وكانت الرسالة قصيرة جدًا.
لكنها غيرت حاجة جوايا.
كتبت جدتي
إذا كنتِ تقرئين هذا الآن، فربما تشعرين أن لا أحد يفهمك.
لذلك تركت لكِ شيئًا آخر.
تجمدت.
وقلبت الورقة.
فوجدت رقم صندوق أمانات في بنك.
ومفتاحًا صغيرًا مثبتًا داخل الظرف.
في اليوم التالي...
أخذت المفتاح وذهبت للبنك.
وبعد إجراءات طويلة...
فتح الموظف الصندوق.
كنت متوقعة أوراقًا أو صورًا.
لكنني وجدت ألبومًا قديمًا جدًا.
وعدة دفاتر.
وأشرطة تسجيل قديمة.
استغربت.
وأخذتها كلها إلى البيت.
وعندما بدأت أتصفحها...
اكتشفت المفاجأة.
كانت جدتي تكتب يومياتها منذ عشرات السنين.
وفي إحدى الصفحات...
وجدت حقيقة لم يكن أحد في العائلة يعرفها.
حقيقة تخص بابا.
حقيقة كانت كفيلة بتغيير قصة العائلة كلها...
لكن هذا حديث طويل جدًا، وربما يكون بداية حكاية أخرى.
هذه القصة تبدو كقصة خيالية متسلسلة، لذلك لا يوجد تكملة أصلية معروفة؛ أي استمرار بعد ذلك سيكون تأليفًا جديدًا للقصة فتحت الدفتر بيدين مرتعشتين.
وبدأت أقرأ.
كانت الصفحات القديمة مليانة تفاصيل عن حياة جدتي.
أفراح.
وأحزان.
وأحداث عمرها عشرات السنين.
لحد ما وصلت لصفحة وعليها دائرة حمراء.
ومكتوب فوقها
سر لازم يعرفه أحفادي يومًا ما.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
وقريت السطور الأولى
ابني لم يكن كما ظنه الجميع.
ابني...
يعني بابا.
كملت قراءة.
واتسعت عيناي مع كل سطر.
اتضح أن بابا، قبل مرضه بسنوات طويلة، كان يضع جزءًا كبيرًا من ډخله في حسابات سرية باسم أفراد العائلة.
مش علشان يخبّي فلوس.
لكن علشان يحميهم.
كان يعرف أن ظروف الحياة قد تتغير فجأة.
وكان يريد أن يترك لكل واحد منهم شيئًا يساعده إذا احتاج.
لكن المفاجأة الأكبر...
أن الحساب المخصص لي لم يكن قد تم لمسه أبدًا.
أما حسابات أخرى...
فتم سحبها بالكامل منذ سنوات.
أغلقت الدفتر.
وحاولت أستوعب.
وفي اليوم التالي ذهبت للمحامي المذكور في الأوراق.
وبعد مراجعة المستندات...
أكد لي أن هناك بالفعل حسابًا استثماريًا قديمًا باسمي.
ظل ينمو سنوات طويلة.
ولم يطالب به أحد.
جلست صامتة.
ليس بسبب المبلغ.
بل بسبب الفكرة.
بابا كان يفكر في مستقبلي حتى بعد رحيله.
خرجت من المكتب وأنا أحمل نسخة من الأوراق.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في الحساب.
كانت في رسالة أخيرة مرفقة مع الملف.
رسالة بخط يد بابا نفسه.
فتحتها في السيارة.
وكان أول سطر فيها
يا مريم... إذا وصلتِ لهذه الرسالة، فمعناه أني لم أعد موجودًا لأقول لك الكلام ده بنفسي.
بدأت دموعي تنزل دون إرادة.
وأكملت القراءة.
هتسمعي ناس كتير يقولوا إن القوة معناها إنك تستحملي كل حاجة لوحدك.
لكن ده مش صحيح.
القوة الحقيقية إنك تعرفي إمتى تطلبي حقك.
وإمتى تمشي من المكان اللي ما يقدّركيش.
ثم كانت الجملة
متابعة القراءة