خطيبي سابني
المحتويات
قمت من مكاني، جبت كل التقارير الطبية القديمة والجديدة.
وفي الأسبوع اللي بعده، طلبت مقابلة أهل الشاب.
قعدنا مع بعض ساعات.
شرحت لهم كل حاجة بالأوراق والتحاليل وآراء الأطباء.
وفي الآخر قلت بهدوء
زمان حد سابني بسبب الخۏف من المجهول. أتمنى محدش يكرر نفس الغلطة.
الأيام عدت.
وبعد فترة قصيرة، رن جرس البيت.
فتحنا الباب.
كان الشاب وأهله واقفين.
وأول ما دخلوا، والدته قالت
إحنا آسفين.
وبعد شهور...
كنت قاعدة في نفس القاعة تقريبًا اللي شهدت أول فرح تمثيلي في حياتي.
لكن المرة دي كنت قاعدة في الصف الأول.
وأمل داخلة بفستانها الأبيض.
زي ما كنت أنا داخلة زمان.
قبل ما تبدأ الزفة، مسكت إيدي وقالت
ماما.
نعم يا حبيبتي؟
حضنتني بقوة وقالت
لو بابا وافق يومها يمثل دور العريس، فإنتِ وافقتي تمثلي دور البطلة... لحد ما بقيتي بطلة بجد.
ماقدرتش أتكلم.
بس دموعي نزلت.
وفي اللحظة دي، بصيت لجوزي.
لقينا نفسنا بنضحك.
لأن القصة اللي بدأت پخوف، وانكسار، وتشخيص مرعب...
انتهت بعيلة كبيرة، وحياة كاملة، وأحفاد كانوا بيجروا بين الكراسي ويضحكوا.
وأخيرًا أدركت أن بعض المعجزات لا تحدث في يوم واحد...
بل تتكون من آلاف الأيام الصغيرة التي رفض أصحابها الاستسلام فيها.
تمت. بعد فرح أمل بسنتين، بقى عندي حفيد صغير اسمه ياسين.
وكان متعلق بيا بشكل غريب.
كل يوم بعد المدرسة ييجي يجري على بيتي ويقولي
تيتا... احكيلي حكاية.
وأنا أحكيله حكايات كتير.
بس عمر ما حكيتله حكايتي أنا.
كنت دايمًا شايفة إن بعض الۏجع مكانه القلب، مش الحكايات.
لحد يوم من الأيام، وأنا برتب الدولاب القديم، لقيت ألبوم الصور.
فتحه ياسين من غير ما أخد بالي.
وفجأة جري عليا بصورة في إيده.
الصورة كانت من أول فرح...
الفرح اللي كان المفروض يبقى آخر حلم في حياتي.
بص للصورة وسأل
تيتا... ده مين؟
ابتسمت.
وقلت
ده جدك.
قال بسرعة
بس دي مش صورة فرح ماما.
ضحكت.
لأن الطفل الصغير لاحظ اللي الكبار عمرهم ما لاحظوه.
قعد جنبي.
وقال
احكيلي.
لأول مرة...
حكيت.
حكيت عن الخۏف.
عن المړض.
عن الشخص اللي سابني.
وعن الراجل اللي جه عشان يمثل دور العريس.
وسمع القصة كلها وهو فاتح عينيه على الآخر.
ولما خلصت، سألني السؤال اللي خلاني أسكت دقيقة كاملة
لو الراجل الأول ما كانش مشي... كنتي هتبقي مبسوطة؟
بصيت من الشباك.
لقيت جوزي في الجنينة بيسقي الورد اللي زرعه من سنين.
الورد اللي كان بيكبر معانا سنة بعد سنة.
ابتسمت.
وقلت
أحيانًا يا ياسين، بنزعل لما باب يتقفل في وشنا... لأننا مش شايفين الباب الأحسن اللي مستنينا.
هز راسه وكأنه فهم.
وبعدين جري ناحية جده.
وأنا فضلت أتفرج عليهم.
شعري بقى أبيض.
ووشي اتغير.
والسنين عدت بسرعة.
لكن في اللحظة دي حسيت إني أغنى إنسانة في الدنيا.
مش بالفلوس.
ولا بالصحة.
ولا بالنجاح.
لكن لأن ربنا عوضني عن لحظة انكسار واحدة...
بعمر كامل من الطمأنينة.
وفي ليلة هادئة بعد سنوات طويلة، وأنا قاعدة جنب جوزي في البلكونة، سألني فجأة
لو رجع بيكي الزمن... كنتي هتبعتيلي الإيميل ده تاني؟
ضحكت.
وقلت
كل يوم.
سكت ثانية.
ثم أضفت
حتى لو كنت أعرف كل اللي هيحصل بعده.
مسك إيدي.
زي أول مرة.
وكأن العمر كله مر في غمضة عين.
وبينما كانت الشمس بتغيب ببطء خلف البيوت، أدركت أن أجمل قصص الحب ليست التي تبدأ بشكل مثالي...
بل التي تنجو من كل شيء كان من المفترض أن ينهيها.
النهاية الأخيرة فعلًا. بعد سنوات طويلة جدًا، بقى ياسين شابًا، واتخرج من الجامعة، وفي يوم دخل عليّ البيت وهو متوتر بشكل غريب.
قعد قدامي وقال
تيتا... محتاج مساعدتك.
ضحكت وقلت أنا؟ بعد العمر ده كله؟
قال بالذات عشان العمر ده كله.
طلع من جيبه صورة بنت.
وقال بحبها.
ابتسمت فورًا.
لكن ملامحه ما اتغيرتش.
عرفت إن في مشكلة.
سألته وإيه اللي معطلك؟
تنهد وقال هي مريضة.
سكتت.
ورجعت الذكريات كلها مرة واحدة.
غرف المستشفيات.
الخۏف.
الانتظار.
والناس اللي كانت بتحكم
متابعة القراءة