خطيبي سابني
المحتويات
قبل ما تعرف الحقيقة.
قال ياسين
كل الناس بتقولي ابعد. بيقولوا إن حياتي هتبقى صعبة.
بصيت له طويلًا.
ثم سألت
وأنت عايز إيه؟
رد من غير تردد
عايز أفضل جنبها.
ابتسمت.
لأنني رأيت في عينيه نفس النظرة التي رأيتها في عيني جده قبل عشرات السنين.
النظرة التي تقول
أنا موجود... مهما حصل.
مددت يدي وأعطيته الظرف الأبيض القديم.
الظرف الذي احتفظت به كل هذه السنين.
فتح الورقة وقرأ الكلمات المكتوبة.
ثم رفع رأسه نحوي.
قلت له
الورقة دي غيرت مصيري.
سأل
أحتفظ بيها؟
هززت رأسي بالنفي.
لا. خليك فاكر معناها بس.
في الأسبوع التالي ذهب ياسين إلى أهل الفتاة.
وتحدث معهم.
وبعد شهور تمت الخطوبة.
ثم جاء يوم زفافه.
وكنت أجلس على كرسي متحرك هذه المرة.
العمر كان قد أخذ نصيبه مني.
لكن قلبي كان أخف من أي وقت مضى.
وأثناء الزفة، اقترب مني ياسين.
انحنى وقبّل رأسي.
وقال
لولا الإيميل اللي بعتيه زمان... ما كنتش أنا واقف هنا النهارده.
نظرت حولي.
إلى ابنتي.
وزوجي.
وحفيدي.
وكل تلك الوجوه التي لم تكن لتوجد لو أنني استسلمت في تلك الأيام المظلمة.
وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا أخيرًا
أن قرارًا واحدًا شجاعًا...
قد يغيّر ليس فقط حياة صاحبه،
بل حياة أجيال كاملة تأتي بعده.
وأنا أبتسم، رفعت بصري إلى السماء وهمست
شكرًا.
ثم أغمضت عيني للحظة...
مطمئنة.
لأن الحلم الذي بدأ بفستان أبيض وعريس مستأجر...
تحول إلى عائلة كاملة، وقصة بقيت تُروى حتى بعد مرور العمر كله.
ستار. بعد فرح ياسين بسنوات، كانت العيلة كلها متعودة تتجمع كل جمعة في البيت الكبير.
البيت اللي بدأ بشقتين صغيرتين، وبقى مع الوقت مليان ضحك وأطفال وصور على الحيطان.
في يوم من الأيام، كانت حفيدة ياسين الصغيرة، ليان، بتلعب في المخزن القديم.
وفجأة خرجت وهي شايلة صندوق خشب صغير مغطى بالتراب.
وقالت
بابا... لقيت كنز!
ضحك الجميع.
لكن ياسين أول ما شاف الصندوق، سكت.
لأنه عرفه.
كان نفس الصندوق اللي احتفظت فيه جدته بكل ذكرياتها.
فتحوه بحذر.
وكانت الصور القديمة ما زالت موجودة.
وفستان الزفاف الأبيض في صورة باهتة.
والدعوات.
والورقة الصغيرة.
لكنهم وجدوا شيئًا لم يره أحد من قبل.
مظروفًا مغلقًا مكتوبًا عليه
يُفتح بعد رحيلي.
ساد الصمت.
فتح ياسين المظروف بيدين مرتجفتين.
وفي داخله رسالة بخط جدته.
بدأ يقرأ بصوت مرتعش
لو وصلتكم الرسالة دي، يبقى أنا خلاص مش موجودة وسطكم.
بس متزعلوش.
أنا كنت محظوظة أكتر مما تتخيلوا.
في يوم من الأيام، كنت فاكرة إن حياتي انتهت.
كنت شايفة القاعة والفستان والمړض والخۏف... ومش شايفة أي حاجة بعدهم.
لكن ربنا كان شايف طريقًا كاملًا أنا ما كنتش أعرفه.
لو في حد منكم بيقرأ الرسالة دي وهو مكسور أو خاېف أو حاسس إن الدنيا قفلت في وشه... أحب أقوله حاجة واحدة
أحيانًا أكبر النعم بتدخل حياتنا متخفية في شكل مصېبة.
وأحيانًا الشخص اللي يمشي من حياتك بيوفر مكان للشخص الصح.
وأحيانًا النهاية اللي بتبكيك النهارده... هي بداية القصة اللي هتشكر ربنا عليها بكرة.
توقف ياسين عن القراءة.
لأن صوته اختنق بالدموع.
أما ليان الصغيرة فسألت ببراءة
هي تيتا كانت بتحبنا؟
ضحك الجميع وسط دموعهم.
وقال ياسين
أكتر مما تتخيلي.
ثم طوى الرسالة بعناية.
وأعادها إلى المظروف.
لكن قبل أن يغلقه، وجد سطرًا أخيرًا في أسفل الصفحة لم ينتبه له أحد
ولو سألكم حد يومًا هل كانت القصة حقيقية؟
قولوا له المهم إنها كانت كافية عشان تخلينا نتمسك بالأمل.
وأُغلق الصندوق من جديد.
لكن الحكاية ظلت مفتوحة...
في قلب كل شخص سمعها.
النهاية التي لا تنتهي بعد ما قفلوا الصندوق، افتكر الكل إن مفيش أسرار تانية.
لكن بعد أسبوعين، كان ياسين بيرتب أوراق جدته القديمة عشان يتبرع بجزء منها لمكتبة محلية، ولقي ملفًا صغيرًا مخبّيًا بين الكتب.
على الغلاف كان مكتوب
الحقيقة التي لم أقلها لأحد.
اتجمد مكانه.
فتح الملف بحذر.
وكانت أول صفحة عبارة عن رسالة قصيرة
لو بتقرأ الرسالة دي،
متابعة القراءة